خريف 1977، كان الريال اليمني أقوى من الرصاصة التي اغتالت إبراهيم الحمدي. أربعة ريالات ونصف للدولار لم تكن مجرد رقم على لوحة صرّاف؛ بل كانت "سياجاً سيادياً" حمى المجتمع من أنياب الاحتكار، وقطع الطريق على مضاربات "لوبي الاستيراد" بجدران صلبة جعلت لقمة المواطن "منطقة محرمة" لا تطالها أصابع المقايضة السياسية.
سيميولوجيا العملة: الـ 10 فلس كـ "مانيفستو" تنموي
لم يكن استقرار العملة نتاج نظريات مستوردة، بل "عقيدة إنتاج" تجسدت في مشروع التعاونيات الذي وضعه وأداره الحمدي بمباركة القاضي الإرياني منذ كان نائباً لرئيس حكومة العيني في سبتمبر 1971. تلك الفلسفة التي بذرها مبكراً، عبرت ببصمته التنموية إلى وجه العملة في "سنة أولى تصحيح". عام 1974، حملت فئة الـ 10 فلس عبارة: "لزيادة إنتاج المحاصيل الغذائية". العبارة صارت "المانيفستو الاقتصادي" للعهد الجديد: إعلان استقلال سيادي يرفض الارتهان لمصارف المقرضين بصدى "بيان رقم1 ".
تلك القطعة المعدنية الصغيرة غدت وثيقة وطنية تزن ذهباً بكرامتها لا بمعدنها، تتناقلها الأيدي لتُعلم المجتمع: أن السيادة النقدية تُستمد من صوامع الغلال لا من خارج الحدود.
احتياطي الثقة: ريال غطاؤه العرق لا الديون
هذا الربط الوجداني بين "المحراث" و"السيادة" هو ما خلق "احتياطي الثقة" الذي جعل الريال يقف صلباً عند سقف 4.5 ريال للدولار طوال سنوات التصحيح، بينما كانت عملات العالم تتآكل بعد صدمة نيكسون. وثقت البرقية الأمريكية (1976SANAA02400) هذا الذهول الدولي بنمو احتياطي النقد من 100 إلى 900 مليون دولار خلال عامين (1974-1976) : كانت فلسفة الحمدي التي جعلت من الريال "منتج أرض" لا "منتج بنك".
توطين الاستهلاك: معجزة "الريال المنتج"
منذ 13 يونيو 1974، أثبتت التجربة عملياً أن الإدارة النزيهة هي التي تصنع القيمة، وأن "كفاءة الإرادة" تتفوق على "وفرة السيولة". وثّق تقرير البنك الدولي (1314-YAR) أن "الريال التعاوني" كان ينجز أربعة أضعاف ما ينجزه "الريال البيروقراطي" في أروقة الوزارات؛ لأن دورة الإنتاج كانت مغلقة ومحمية من سوس المحسوبية والعمولات. كانت كل تعاونية بمثابة "مطبعة سيادية" تصدر عملة صعبة المراس، ليس لأنها مدعومة بذهب خارجي، بل لأنها ببساطة: صُنعت في اليمن.
الخلاصة: درس "الفلس" الذي لم تدرسه المدارس
يتذكر "طفل السبعينيات" أول درس في حياته قبل أن يدلف المدرسة؛ لم يكن في الهجاء، بل في الاقتصاد السيادي الذي نقشه الحمدي على ظهر قطعة معدن صغيرة جعل منها "ميثاقاً وطنياً". حوّلت هذه العملة المعدن إلى بيان سياسي، والاقتصاد إلى عقيدة يومية: إعلان حرب على الفقر، ودرع يحمي سيادة الجياع.
اليوم، تتساقط العملات، وتتهاوى الميزانيات، وصار ذلك الميثاق الوطني ذكرى في متحف الانهيار. لكن اليمن التي صهرت إرادتها في "برونز" السيادة و"فلس" الكرامة، لم تكن عقيمة يوماً. إن "الريال التعاوني" لم يمت، بل هو "بذرة" تنتظر يداً تطلق ذلك النسر الأسير ليحلق مجدداً فوق الحقول قبل البنوك، ويكتب في سجل الخالدين:
صُنع في اليمن.. مرة أخرى.
هامش: احتياطي الـ 900 مليون دولار في 1976 يعادل قوة شرائية تزيد عن 13.5 مليار دولار اليوم (باعتبار أن أونصة الذهب قفزت من 160 إلى 2400 دولار). رقم استثنائي لدولة لم تكن تصدر النفط بعد، يثبت أن "الريال التعاوني" كان عملة إنتاج لا ارتهان.
• (Reference ID): 1976SANAA02400
تاريخ: 20 مايو 1976 نمو الإحتياطي بين 1974-1976
#لماذا_نحن_هنا
سليمان السقاف
8 مارس 2026
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news