يعد الفريق الركن محمود الصبيحي نموذجاً حياً للقائد الذي يستمد شرعيته من ثبات الموقف والالتزام بالمسؤولية الدستورية تجاه رمزية الوطن، تلك الرموز التي يفرض القسم العسكري والقانوني احترامها التام. وقد لخص تصريحه الأخير هذا الالتزام بوضوح ومسؤولية حين قال: "ما دام صورة الرئيس موجودة، فلا داعي لغياب علم الدولة؛ وفي حالة استقلينا نعمل ما نريد".
لقد حمل هذا التصريح قدراً عالياً من الواقعية ؛ فالرجل لم يبع الوهم ولم يغازل العواطف، بل وضع النقاط على الحروف بوضوح: نحن اليوم ما زلنا ضمن إطار الدولة، وأي حديث عن هوية مستقلة أو علم خاص يجب أن يكون ثمرةً لتحقق ذلك على أرض الواقع، لا قفزاً عليه.
إننا اليوم لسنا بحاجة لمن يرفع سقف التوقعات الزائفة، بقدر حاجتنا لمن يضع أقدامنا على الأرض ويحدثنا بلغة "الممكن" لا بلغة "التمنيات"؛ فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالوعي، والعمل، وصدق الطرح.
ورغم محاولات بعض النشطاء المزايدة وإثارة الضجيج حول تصريحاته، إلا أن قراءة هادئة في تاريخ الرجل وتجربته النضالية تكشف زيف تلك الإساءات، وتؤكد أنه كان سباقاً إلى ميادين الدفاع عن الجنوب في وقتٍ كان فيه الآخرون في صمتهم يعمهون.
لم تكن مواقف الصبيحي وليدة اللحظة أو نتاج صدفة، بل عُمّدت بتضحيات جسيمة بدأت منذ حرب صيف 1994، حيث كان في طليعة المدافعين عن الجنوب في جبهات "خرز" و"العند" و"جعولة" و"بئر أحمد".
لقد ظل صامداً حتى اللحظات الأخيرة، وكان آخر المنسحبين قبل أن يغادر الوطن لسنوات طويلة في المنفى، ومع عودته لم يركن للراحة أو المهادنة، بل كان من أوائل القادة الذين تصدوا لتنظيم القاعدة في عام 2011 ضمن معركة "السيوف الذهبية"، مسطراً ملاحم البطولة إلى جانب القائدين الشهيد سالم قطن واللواء فيصل رجب.
في عام 2015، لم يكن الصبيحي وزيراً يقبع في المكاتب والقاعات المغلقة، بل جسّد التزامه الميداني في أبهى صوره، حيث قاد معركة التصدي للغزو الانقلابي في جبهة العند، ثباتاً إلى جانب اللواء الشهيد جعفر محمد سعد، واللواء ناصر منصور، واللواء فيصل رجب. وفي الوقت الذي انسحب فيه البعض تحت شعار "هذه الحرب لا تعنينا"، اختار الصبيحي أن يكون في مقدمة الصفوف حتى وقع أسيراً. واليوم يحاول البعض استغلال صور لحظة الأسر لتفسيرها بسطحية وتجني، متناسين أنها وسام شرف لرجل لم يهرب من قدره، ولم يتخلَّ عن شعبه في أحلك الظروف، بل واجه مصيره بشجاعة نادرة تعكس جوهر القائد العسكري الحقيقي الذي لا ينكسر أمام التحديات مهما بلغت قسوتها.
إن نشاط الفريق الصبيحي يمتد إلى أبعاد سياسية وأخلاقية واجتماعية عميقة، ترتكز أساساً على مصلحة الوطن والعمل المؤسسي الرصين، فبينما انشغل آخرون بتقاسم النفوذ والمصالح الضيقة، إن اختزال هذا التاريخ الطويل من التضحية في تفسير سطحي لتصريح عابر أو صورة مجتزأة هو تجاهل متعمد لدوره كرمز للالتزام الوطني، فالصبيحي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل هو تجسيد حي لهيبة الدولة التي لا تستقيم أبداً دون احترام رموزها ومؤسساتها. ومن هنا تبرز الحاجة اليوم للاقتداء بهذه الشخصية التي ترفض المزايدات وتتمسك بجوهر الدولة، صوناً لمكتسبات الشعب وتضحيات الأبطال في كل الميادين.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news