السعودية بين معضلة القلب الحضاري وانفصال العمق الاستراتيجي: قراءة في أشكالية الجغرافيا والمد الحضاري

     
عدن توداي             عدد المشاهدات : 66 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
السعودية بين معضلة القلب الحضاري وانفصال العمق الاستراتيجي: قراءة في أشكالية الجغرافيا والمد الحضاري

 

 

عدن توداي

د. جمال الهاشمي

إن قوة الجيوبوليتيك الحضاري لا يقاس بقوة الدول ولا بمساحتها أو مواردها فقط وإنما بمدى تكامل عناصر المجال الحيوي لديها: المركز، العمق, الأحزمة والأطراف. هذه المعادلة التي تحكم صعود القوى واستقرارها تضع المملكة العربية السعودية في موقع فريد ومأزوم في آن واحد:

– مركز وظيفي مكتمل الخصائص لكنه يفتقر إلى عمق استراتيجي عضوي يمنحه القدرة على التحول إلى قوة مكتفية ذاتيا في المجال العسكري والسياسي

حيث تمثل قلبا بالمعنى الجيوحضاري؛ فهي تمتلك مركزا دينيا يمنحها شرعية رمزية عابرة للحدود إلا أن هذا العمق كامن نظرا لوجود الأزهر في مصر بحيث أصبح مؤثرا عالميا وأكثر عمقا وظيفيا.

كما تمتلك ثقلا اقتصاديا قائما على الطاقة والاستثمار مما يجعلها قادرة على أن تحوله إلى استثمار أمني واقتصاد حربي لضمان استمرار الاقتصاديات الناعمة وما يزال الاستثمار فيه في بدايته وأمامها صعوبات وتحديات وبنفس الوقت فرص وامتيازات.

وموقعا جغرافيا يربط بين ثلاث قارات إلا أنها مخنوقة بسبب انفصال العمق اليمن واستقلالية الأطراف المطلة على البحر الهربي والتهاب الممرات البرية من جهتي الشمال والشرق.

غير أن هذا القلب رغم اتساعه يظل معزولا نسبيا عن عمقه الطبيعي وبينها وبين العمق صراعات كامنة وملتهبة ويعد الصراع بين القلب والعمق من أهم مبادئ التحولات الجغرافية والمجتمعية في تاريخ الصراعات الانسانية .

إن الجغرافيا لا تقاس بالامتداد فقط وإنما بقدرتها على إنتاج عمق وظيفي قادر على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج القوة.

وفي هذا السياق يبرز اليمن بوصفه العمق الجيوستراتيجي الأكثر التصاقا بالبنية الأمنية السعودية ليس من زاوية التهديد فقط وإنما أيضا من حيث الوظيفة؛ فاليمن بوابة جنوبية ومجالا بشريا وامتدادا طبوغرافيا معقدا يوفر طبقات دفاع ومرونة استراتيجية. ويعضد هذا العمق الامتداد الشرقي عبر سلطنة عمان التي تمثل مجال للتوازن الدفاعي والثغر الأعمق في السيطرة البحرية إلى جانب اليمن وتوفر بعدا إضافيا للمرونة الجيوسياسية.

غير أن الإشكال البنيوي يظهر حين ينفصل القلب عن العمق.

و في هذه الحالة تتحول الأطراف من خطوط حماية إلى مراكز نفوذ افتراضية تدير التوازن داخل الإقليم الحضاري بدلا من أن تخضع له؛ أي أن الفراغ في العمق لا يبقى فراغا وإنما يملأ بقوى بديلة:

– فواعل إقليمية

– قوى دولية

– شبكات غير نظامية

وهنا تفقد الدولة المركزية قدرتها على التحكم الكامل في مجالها الحيوي وتدخل في نمط الإدارة غير المباشرة للأمن وهذا الانفصال لا يؤدي إلى الانهيار وإنما إلى تشكل نمط خاص من البقاء يمكن تسميته بالتكيف الاستراتيجي. وفي هذا النمط تسعى الدولة إلى تعويض نقص العمق عبر مسارين:

أولا البحث عن عمق بديل خارج الإقليم.

أي بناء تحالفات أمنية وعسكرية مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة بما يوفر مظلة ردع تعوض النقص الجغرافي.

و هذا الخيار فعال على المدى القصير لكنه يخلق تبعية هيكلية تحد من الاستقلال الاستراتيجي

ثانيا: استيراد مركز وظيفي مواز

أي ربط الأمن الوطني بشبكة قواعد وانتشار عسكري أجنبي داخل الإقليم.

هذا النموذج يعيد تعريف السيادة من مفهوم السيطرة المباشرة إلى مفهوم الإدارة المشتركة حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الأجندات الدولية وهو ما يؤدي إلى هي نشوء منظومة أمنية هجينة:

– الدولة تحتفظ بمركزها الاقتصادي والديني لكنها تعتمد على الخارج في تأمين عمقها العسكري.

وهذا التوازن رغم استقراره الظاهري يظل هشا أمام التحولات الكبرى.

وفي المقابل إذا أعيد دمج العمق ضمن رؤية حضارية شاملة فإن المعادلة تتغير جذريا.

فالسعودية لا تحتاج فقط إلى تحالفات وإنما إلى إعادة تعريف مجالها الحيوي بوصفه شبكة مترابطة جغرافيا ومجتمعيا وثقافيا لا حدودا منفصلة.

وأقصد هنا الانتقال من إدارة الأطراف إلى استيعابها ضمن مشروع إقليمي متكامل وهو الأقل كلفة بغيره من القرارات الاستراتيجية.

أن السعودية ليست دولة ضعيفة ولكنها حتى الآن لم تستطع أن تملأ الدور بتفعيل مقوماتها وهو ما جعلها دولة مركز بدون عمقها اليمن العمق الذي يمنحها تميزا فريدا في البعث الحضاري وهذه ليست مشكلة في الموارد وإنما في البنية الاستراتيجية وفي بنية التعامل مع الوعي الخضاري ومقوماته.

فإذا استمر الاعتماد على العمق المستعار ستبقى في حالة توازن هش وضعيف واستنزاف طويل الأمد وهذا العمق المستعار كان بدايته في مصر ثم العراق ثم الشام ثم توسعت عبر الاتفاقيات الدولية وهذا كله عمق أمني مجردا عن أساسياته ومبادئه.

أما إذا نجحت في تحويل محيطها إلى عمق وظيفي مندمج فإنها مرشحة للتحول من مركز إقليمي إلى قطب حضاري قادر على إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط بأكمله.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية تعد في الجغرافية الحضارية قلبا وظيفيا خالية من العمق فإن التحدي الاستراتيجي لا يكمن في توصيف الأزمة وإنما في القدرة علي تحويل هذا القلب إلى مركز قادر على إنتاج عمقه و هذا التحول لا يتم عبر التوسع التقليدي وإنما عبر هندسة المجال من خلال نقاط العمق الداخلي أولا والمجالات المحيطة ثانيا والمحيطات الأبعد ثالثا؛ أي إعادة تركيب البيئة الإقليمية بحيث تصبح امتدادا وظيفيا للمركز وليس عبئا عليه .

والقاعدة الحاكمة هنا بسيطة:

فالعمق في الجيوبوليتيك المعاصر لم يعد جغرافيا فقط وإنما ايضا شبكة علاقات وتكامل مصالح وتوزيع أدوار ومن ثم فإن تفعيل الدور السعودي يمر عبر بناء نظام إقليمي وظيفي متعدد الطبقات وليس عبر إدارة أزمات متفرقة من خلال النقاط الجيواستراتيخية التالية:

– تحويل استراتيجبة التعامل مع اليمن من ساحة تهديد إلى عمق استراتيجي مدمج إقليميا في بيئته وبدايته حل إشكالية اليمن ومنحه سيادته واستقلاله والتعامل معه ليس باتباع الأعراف الدبلوماسية وإنما من خلال الأعراف العربية وعملية استعادة الأعراف يلغي قطبية المركز الأحادي في القرار ويولد بدلا عنه مشاركة جماعية انطلاقا من هذه الأعراف وهنا يتولد البعث الثقافي والرقابة الجماعية على أسس ومبادئ الأعراف العربية وليست الأعراف القبلية المعاصرة والسلبية حيث يجب التمييز بين ما تعارف عليه العرب أخلاقا وقيما ثم أصبح دينا وما كان عرف سلبيا أتى من الأعراب ولم ينشأ في حضارة مدنية .

إن الأصل في بناء العلاقات بين دول الجزيرة العربية يجب أن يتجاوز النمط الدبلوماسي الغربي إلى تفعيل مبدأ العرف العربي الذي ما يزال يهيمن على ثقافة النخب السياسية في هذه المنطقة وهو المبدأ الوحيد الذي يجب الولوج فيه لحل أزمات المنطقة لأهميته في إعادة ابتعاث الروابط التاريخية والدموية والرحمية والأخلاق العربية .

وبذلك يخرج التعامل السعودي مع اليمن من كونه ملفا أمنيا إلى اعتباره ركيزة عمق تاريخي إنساني حضاري جغرافي أصولي وقيمي يرتبطان معا في المصير المشترك والتعايش والتكامل دون أن يكون هناك أي فروض سياسية أو تعيين شخصيات محسوبة وأن يترك للشعب شماله وجنوبه في اختيار قيادته برعاية عربية مشتركة ورقابة أممية وبهذه الطريقة ستفعل المصالحة بضمانة هذا المرشح الشرعي وبيده سيكون قرار السلم والحرب مع المكونات الداخلية والشعب من خلفه بدعم إقليمي للخروج باليمن من أزماته أولا بالمصالحة وهي المنطق التي سيتشكل وعي الشعب بها ليقرر بعدها الحلول المناسبة لأي تعطيل يضر بأمن الدولة والمنطقة وتنمياتها.

واي مقاربة عسكرية صرفة دون اتباع الأدوات التغييرية السابقة ستبقيه مصدرا للاستنزاف محليا وإقليميا والمطلوب هو:

1- إعادة بناء الدولة اليمنية على أسس وظيفية تضمن الاستقرار وليس المحاصصة أو سياسة التكمين والتهدئة وتعطيله ضمن مكونات تتآكل ذاتيا وشرعيا وإقليميا لأن استمرار ذلك يبعد السعودية عن أداء دورها في مواجهة مخاطر أكثر تهديدا وهو ما يتطلب تأصيل رؤية تنطلق من التفكير الحضاري الجيواستراتيجي في البحث عن نقاط التحول داخل اليمن والبناء عليه وهذا يتطلب جهدا وصبر استراتيجي وشفافية وهذا أقل كلفة من إدارة المكونات المحلية لا سيما وأن اليمن ذو طبيعة حضارية عفوية تؤمن بالقيادة النموذجية وليست القيادة المنفصلة عن إرادة الشعب والواقع .

٢- دمج الاقتصاد اليمني جزئيا في المنظومة الخليجية لخلق ترابط مصالح لتحويله مستقبلا إلى تكامل اقتصادي مما يوسع من فتح فرص للعمل ذلك أن اليمن تتميز بقوة بشرية قادرة على خلق نماذج اقتصادية عابرة للإقليم والقارات إذا توفرت الإدارة والأمن وهو مخزون اقتصادي عميق متميز بموارده البشرية لكن تعطل تماما بل تم تهميش هذه القدرات ومحاربتها بسياسة الدولة وسوء إدارتها.

3_ تحويل الجغرافيا اليمنية إلى طبقة دفاع متقدمة ولن يكون ذلك إلا بدولة ذات سيادة بدل من تركها ثغرة مفتوحة وأن أهم الحلول في هذا الجانب هو خلق نموذج اقتصادي أمني يتناسب مع مقومات الدولة وجغرافيتها.

وأقصد هنا نقل اليمن من منطق الاحتواء إلى منطق الإدماج.

مقالات ذات صلة

د. عيدروس النقيب يكتب: لماذا يُعاقَبُ الجنوبيون؟

القات ـ السلوى والبلوى

– مصر و استعادة المركز الموازي أن مصر ليست حليفا تقليديا وإنما هي مركز شبه حضاري معطل وتفعيل الدور السعودي من خلال هذه النقطة يقتضي ما يلي:

– بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تعيد لمصر دورها كقطب توازن ومنطقة متقدمة عربيا للدفاع عن العالم العربي وهنا تأتي أهمية الجغرافيا وهي الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة الإسلامية منذ النبوة وحتى دولة المماليك والدولة العثمانية حيث كانت مصر من أهم ثغور الأمة للدفاع عن الشام والبحر وهي بذلك مركزية عسكرية مهمة في التاريخ العسكري ومركز اقتصادي رعوي متميز .

– ربط الأمن في البحر الأحمر بين البلدين ضمن منظومة مشتركة تمتد من السويس حتى باب المندب ومنه إلى هرمز وهذا لا يكون إلا بقيادة موحدة لمنع التنافس السياسي بحيث تكون مستقلة وبقيادة موحدة ووظيفة محددة وبدون ذلك لا يمكن أن تتوحد الفكرة الرئيسية الأمنية التي يعاني منها العالم العربي وهذه القيادة يجب أن تكون هي المسؤولة في عمل الاتفاقيات أو رفضها وكذلك تحديد نحو الأسلحة والمصانع التي تخدم وظيفتها بعيدا عن الروتين السياسي والاختلاف والتنافس بين الدول .

– الاستثمار في إعادة تمكين مصر اقتصاديا بما يعيد إنتاج دورها الإقليمي وذلك من خلال خطط اقتصادية مدمجة تكون مركزية بما يجعل القرارات المصيرية قرارا جماعيا مشتركا لضمان تقاسم المسؤوليات والنتائج

– تفعيل دور مصر لحل أزمات السودان وليبيا من أجل تشكيل جغرافية إقليمية موازية ومكملة للجزيرة العربية ألى جانب دور الجزيرة العربية الموحدة أو المتكاملة مما يوسع من دائرة التكامل الاقتصادي وهي أهم استراتيجية لحفظ الأمن والاستقرار والسيادة وهذا يتطلب منا إعادة تفعيل الجزيرة العربية بوحدتها باعتبارها الأصل الأول في المعادلة العربية ولا يمكن تجاوزها إلا في حالة تشتتها وانقاسمها هنا تبدأ الأحزمة المحيطة تأخذ صدارتها بسبب ضعفها ويمكن العودة إلى أهمية دول الإطار المحيط بالجزيرة العربية عندما تكون الجزيرة العربية هي المركز الرئيس وهنا قد تتمدد الجزيرة العربية نحو الشام والعراق لتدمجها في المركز من جهة القيادة السياسية والعسكرية .

إن السعودية هنا لا تحل محل او تعوض دور مصر في المنطقه وإنما تعيد تشغيلها ضمن رؤية استراتيجية حضارية وهذه الرؤية ليست بالضرورة اندماج وإنما تكامل لما في ذلك من خدمة الشعوب والقضاء على أي تحديات محتملة من الداخل والخارج.

ثالثا: السودان ؛ العمق الجنوبي الغائب.

إن السودان يمثل الامتداد الطبيعي للأمن الغذائي والبحري والتعامل معه يجب أن ينتقل من رد الفعل تجاه أزماته إلى الفعل الاستراتيجي الواعي عبر:

1- تثبيت الاستقرار السياسي كأولوية استراتيجية.

٢- بناء شراكات في الزراعة والموانئ.

٣- منع تحوله إلى ساحة تنافس دولي خارج السيطرة.

٤- إعادة ربطه بمصر وليس فصله عنها بحيث تكون ضمن منظومة مشتركة تبدأ أصولها من جزيرة العرب باعتبار ذلك منهجا حضاريا للتجديد وما لم تتجدد أصول الحضارة الاسلامية بالعرب أرضا وإنسانا لن ندخل في فلسفة التجديد ذلك أن الاشعاع الحضاري يبدأ من جزيرة العرب ثم يتمدد نحو دول الإطار أو خارجه ما دام للمركز مكانته كمصدر للتغذية وفي الحديث إن الله جعل الشام أمامي واليمن من خلفي فما أمامي غنيمة لمن خلفي وهذه هي التغذية الحضارية التي لم يستوعبها العالم الاسلامي فاليمن هو العمق الحضاري وأية اهمال له يضعف العرب ويؤخرهم عن الركب الحضاري العالمي ولن تقوم أي حضارة بعد سقوط دولة بني العباس في أي مكان حتى تتجدد نبتتها من داخل جزيرة العرب وإن ظهرت قوى في ايران او العراق او مصر او تركيا لأن مفهوم الحضارة ليس حصرا في القوة العسكرية ولا في الصناعة فحسب وإنما أصلها في معادنها وتعدد مجالاتها.

إن السودان يعد أساسا في معادلة العمق لمصر من جهة الجنوب وحصنا دفاعيا متقدما من جهته إضافة إلى موقعه البحري وهو إلى جانب من مصر من أهم الخطوط الأمامية والدفاعية الغربية للجزيرة العربية .

– دول الخليج – من التنسيق إلى الاندماج.

إن الكتلة الخليجية تملك مقومات التحول إلى نواة صلبة لكن ذلك يتطلب:

١- توحيد الرؤية الأمنية كبديل عن تعدد المقاربات والاتفاقيات الدولية الأحادية.

٢- بناء منظومة دفاع مشترك فعلي بقيادة مشتركة تخضع لانتخابات المجلس المتشكل أولا ثم لانتخابات الدول الأعضاء يعاد ذلك كل سبع سنوات .

٣- تكامل اقتصادي عميق يتجاوز التنافس البيني وهنا تتحول الجغرافيا الخليجية إلى مركز ممتد خارج إقليمها لا مراكز متجاورة متنافسة ضمن رؤية اقتصادية ومجلس اقتصادي مشترك وينظر إليه وقد سبق بيانه ضمن منظومة الجزيرة العربية المتكاملة .

– الشام والعراق – إدارة التماس مع النفوذ .

إن هذه المنطقة تمثل حافة الاحتكاك مع إسرائيل و إيران من جهة والغرب وأمريكا والشرق من جهة أخرى و المقاربة الفعالة تكون في دعم استقرار الدول بدلا من الانخراط في صراعات مفتوحة من خلال:

– بناء نفوذ اقتصادي تدريجي يوازي النفوذ العسكري الإسرائيلي و الإيراني

– إعادة ربط هذه الدول بالمنظومة العربية وظيفيا ودعم سيادتها .

-ربط العراق بالشام ضمن تكامل أقتصادي باعتبار العراق عمقا للشام وكلاهما من أهم أحزمة الجغرافيا المتقدمة لمصر والجزبرة العربية .

ومن ثم فإن أقرب الجغرافيات المتداولة مع الجزيرة العربية الشام والعراق والقرن الإفريقي وهذه أعظم جغرافية حضارية أدركتها دولة الأمويين وسارت على نهجها دولة بني العباس في أول عهدها وهنا نقول أن بني أمية اسسوا للمبدأ الحضاري الإسلامي بصيغة أخرى عن الصياغة الراشدة ثم استهلكت دولة بني العباس هذا التأسيس وإن كان ضعيفا مقارنة بالأصل الأموي المؤسس ومع هذا حافظت حتى عصر الأمين على هذا المفهوم ثم بدأت بالتحول الفكري ثم تحولت مع المعتصم إلى وظيفة عسكرية لا حضارية واستمرت كذلك وعلى أساس المبدأ العسكري تشكلت دولة بني أيوب والمماليك والسلطنة العثمانية وهو امتداد للثقافة العسكرية المعتصمية وهي ثقافة أمنية ومنذ ذلك الوقت لم تتشكل حضارة إسلامية تتوسع بفكرها ومنهجها وثقافتها الناعمة جغرافيا وإنسانيا .

وحينما تأسست دولة بني أمية في الشام كانت عروقها في جزيرة العرب عسكرة وفكرا وثقافة ثم بدأت بالاستقلال عن هذا المركز بعد ولاية هشام بن عبد الملك وهو ما أدى إلى ضعفها داخليا لا سيما بعد سلسلة من الحروب والأخطاء التي تراكمت وإن تم تصحيح بعض المسارات إلا أنها كانت تستمد شرعيتها في أكثر مجالاتها من استراتيجية الخلافة الراشدة في التعامل مع الإدارة والسياسة العمرية وفي التعامل مع النزاعات الداخلية العلوية وفي التعامل مع الفتوحات والتوسع العثمانية وفي التعامل مع العرب والمسلمين البكرية في أربع مبادئ وأركان ساهمت من توسع الدولة الأموية وبقدر بعدها عن المبادئ سقطت شرعيتها بدولة بني العباس التي تركت تلك المبادئ وحافظت على ما تبقى من إرث الدولة الإسلامية بالقوة العسكرية والسياسية والعلمية.

والهدف هنا ليس إقصاء إيران وإنما موازنتها كمرحلة متقدمة لاشراكها في بناء منظومة أمنية وثقافية واقتصادية مشتركة تنطلق من ثقافة اللغة وفكرها باعتبارها أهم أداة لتعميق المقاربات الفكرية والأيدلوجية .

لا سيما وأن العراق يعد قاعدة أمنية متقدمة للفرس في مواجهة العرب قبل الإسلام ثم تحول إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن الإسلام في مواجهة الفرس خلال الفتوحات الإسلامية قبل أن تتحول إيران إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن الإسلام بعد الفتح والعراق بذلك أصبح لها عمقا استراتيجيا وهو نفس الأداء الجغرافي بين السعودية واليمن من جهة ودول الأطراف الخليجية من جهة أخرى .

وهنا يجب قراءة الاستراتيجيات من خلال المعطيات الدولية والمجتمعية والاقليمية لضمان تفعيل المد الحضاري.

وفي هندسة المجال الحيوي لا يكتمل بناء العمق دون السيطرة على المفاصل البحرية التي تعيد تعريف الأمن من حدود برية إلى نطاقات أخرى.

وفي هذا السياق يمثل القرن الإفريقي وعلى رأسه الصومال وجيبوتي الامتداد الأكثر حساسية في معادلة الأمن السعودي واليمني والخليجي والمصري بشكل أساس لأنه يشرف مباشرة على عقدة العبور بين البحر الأحمر والمحيط الهندي

هذا المجال يمكن قراءته كعمق للأطراف وقاعدة متقدمة لأي مركز يسعى إلى التحكم في مسارات التجارة والطاقة.

ومن ثم فإن المملكة العربية السعودية بوصفها قلبا اقتصاديا وطاقيا ضمن منظومة جغرافية مشتركة لظول الخليج واليمن لا تستطيع تأمين مركزها دون دمج هذا الامتداد ضمن رؤيتها الاستراتيجية:

إن السيطرة والتحكم في باب المندب لا يتم من ضفة واحدة فالساحل الإفريقي الممتد عبر جيبوتي والصومال يمثل نصف المعادلة.

وأي خلل في هذا الجانب يحول المضيق من ممر آمن إلى نقطة اختناق استراتيجية يمكن توظيفها ضد المصالح العربية .

وتعد جيبوتي تحديدا العقدة الصلبة من حيث موقع مركزي يطل على المضيق مباشرة واستقرار نسبي مقارنة بجوارها

واحتضانها لقواعد عسكرية دولية يجعلها ساحة توازن لا يمكن تجاهلها.

أما الصومال فيمثل العمق المرن بما يمتلكه من امتداد ساحلي طويل يتيح خيارات انتشار متعددة

وكمجال بشري قابل لإعادة البناء والدمج وموقع يسمح بتوسيع طبقة الدفاع إلى خارج البحر الأحمر

إن الفراغ لهذه المنطقة أدى إلى التدويل وهو ما جعله ساحة تنافس دولي مكثف فتركيا عززت حضورها العسكري والتنموي في الصومال وإيران تسعى إلى اختراق غير مباشر عبر الشبكات الولائية والولايات المتحدة وقوى دولية أخرى رسخت وجودها في جيبوتي وكذلك الصين وغيرها .

هذا التعدد لا يعكس فقط أهمية الموقع بل يؤكد أن من يسيطر على هذا الحيز يملك قدرة على التأثير في معادلة الأمن الإقليمي بأكملها

لكن ما هو وظيفة القرن الإفريقي في العمق السعودي؟

إن إدماج الصومال وجيبوتي ضمن الرؤية السعودية يحقق ثلاث وظائف استراتيجية:- بناء عمق بحري خارجي ونقل خطوط الدفاع من داخل الخليج إلى خارج البحر الأحمر مما يقلل من قابلية التعرض للتهديد المباشر وتأمين الممرات الحيوية وضمان استمرارية تدفق الطاقة والتجارة عبر واحد من أهم الممرات العالمية وموازنة النفوذ الإقليمي ومنع احتكار قوى أخرى لهذا المجال وتحويله إلى منصة ضغط على المركز الخليجي

أن التعامل مع القرن الإفريقي يجب أن ينتقل إلى بناء حضور وظيفي على غرار اليمن قديما حيث كان مركز جزيرة العرب حضاريا وسياسيا وكذلك سلطنة عمان التي شكلت أفضل نموذج بجري حديث وعميق في منطقة أفريقيا لكنه افتقر حينها على غرار دول أوروبا البحرية من الرؤية الحضارية .

إن دعم استقرار الدولة في الصومال يعد كأولوية أمنية بعيدة المدى وأن بناء شراكات تنموية وبحرية مع جيبوتي يعزز الاستقرار

ومن ثم إنشاء منظومة تعاون إقليمي تربط بين ضفتي البحر الأحمر

إلا أن من اهم المخاطر البنويو تكمن في غياب استراتيجية واضحة تجاه هذا المجال وهو ما يؤدي إلى:

١- تحول السواحل الإفريقية إلى منصات تهديد غير تقليدية.

٢- زيادة الاعتماد على قوى خارجية لحماية الممرات.

٣- فقدان القدرة على التحكم في أحد أهم مفاصل الأمن الإقليمي.

– تركيا من التنافس الى الشراكة.

إن تركيا قوة إقليمية تبحث عن مجال و التعامل معها يجب أن يقوم على:

– إدارة التنافس عبر ملفات مشتركة وتجفيف منابع الصدام والتعارض .

– بناء تقاطعات في الأمن والاقتصاد والعمل على تعميق التعاون فيه بمصالح اعتماد متبادل .

– منع تحول التنافس إلى صراع صفري .

إن التوازن مع تركيا يخلق استقرار والصدام يفتح فراغا ومن ثم تتطور عمليات التمدد الحضاري مستقبلا لتحويل تركيا من دولة شريكة إلى دولة مندمجة في منظومة أكثر شمولية تتغير فيها معادلات الاقتصاد والفكر والسياسية والجغرافيا.

– إيران من المواجهة إلى الضبط والتعاون.

لا يمكن إلغاء إيران أو اقصاءها وإنما يمكن ضبطها ضمن معادلة إقليمية عبر:

– فتح قنوات تواصل استراتيجية لتقليل التصعيد وفتح نقاط تعاون مشترك أمنيا واقتصاديا .

– بناء توازن ردع يمنع التمدد دون حرب شاملة وذلك مهما لتصفير المشكلات ومن تبديل المواجهة بالتعاون والتكامل الاقتصادي .

– استيعاب دورها ضمن نظام إقليمي يمنع الهيمنة ومن ثم فتح أبوابا للحراك الفكري والديني حوار نقدي لا مجال فيه لاستغلال المال أو العنف أو التحزب والقصد من ذلك فتح باب حرية البحث عن الحق داخل المعتقدات على أساس النجاة وليس التنافس على السلطة والجغرافيا والسيطرة.

إن المقاربة ليست تطبيعا ولا عداء مطلقا وإنما هو إدارة صراع لخلق منافذ للتواصل والتعاون مستقبلا وتصحيح مسرات الفكر العقائدي وتجفيفه من التطرف والعنف والتعصب الأعمى وسد ذرائعه يقتضي فتح ذرائع أخرى عبر الحوار المنهجي والاستدلال والنقد على غرار نماذج العصور المتأخرة.

وفي سياق تفعيل المجال الحيوي تعد دول شمال إفريقيا قوة عمق غربي لا تقل أهمية عن العمق الجنوبي والشرقي.

فالتوازن الاستراتيجي لا يكتمل دون تأمين الامتداد الممتد من مصر إلى المغرب مرورا بليبيا والجزائر وتونس.

هذا المجال لا يفهم ككتلة جغرافية فقط وإنما كحزام توازن يربط بين المتوسط والعمق الإفريقي ويؤثر مباشرة في أمن البحر الأحمر والامتداد الأطلسي.

وعليه فإن إدماج شمال إفريقيا في الرؤية السعودية يحقق ثلاث وظائف استراتيجية حاسمة:

أولا: تثبيت الخاصرة الغربية للنظام العربي وتمثل ليبيا نقطة ارتكاز مركزية وأن استقرارها يمنع تحولها إلى بوابة اختراق أمني نحو العمق العربي.

كما أن دعم بناء الدولة فيها ضرورة جيواستراتيجية بالنسبة لاستقرار مصر ولتمكين العمق العربي الأصولي من أداء دوره الحضاري .

ثانيا: موازنة القوة الإقليمية حيث تعد الجزائر قوة طاقية وعسكرية ذات استقلالية والتقارب معها يخلق توازنا في غرب المتوسط ويمنع احتكار النفوذ من قوى منافسة . أما المغرب فيمثل بوابة أطلسية وشريكا في الربط الإفريقي مما يمنح السعودية امتدادا يتجاوز الإطار التقليدي للشرق الأوسط وتكون بديلا عن التمدد الأجنبي الإسرائيلي أو الغربي في هذه المنطقة العربية .

– إعادة ربط المجال المغاربي بالمشرق .

إن تونس رغم محدودية مواردها تمثل منصة استقرار سياسي وثقافي يمكن توظيفها في إعادة بناء الجسور بين المشرق والمغرب وهو بعد مفقود في التفكير الاستراتيجي العربي يمكن التطرق لهذه المنطقة الجيوسياسية المتقدمة والأكثر أهمية في مقالات أخرى.

أن شمال إفريقيا عمق استراتيجي مكمل وأن إدماجه ضمن الرؤية السعودية يحولها من قوة مركزية محاطة بتحديات إلى قطب يمتد أفقيا عبر كامل المجال العربي من الخليج إلى الأطلسي وهو ما يعيد التوازن المفقود بين المركز والأطراف ويمنح المشروع الإقليمي بعده الحضاري الشامل.

إن تفعيل الدور السعودي لا يتحقق عبر القوة الصلبة وانما عبر إعادة تعريف المجال الإقليمي كشبكة مترابطة تقودها وظيفة مركزية. فالسعودية تمتلك القلب لكنها تحتاج في تحويل محيطها إلى عمق حي يعمل معها لا حولها أو ضدها وبدون عمق مدمج تبقى قوة مؤثرة لكنها مكشوفة ومع عمق وظيفي متكامل تتحول إلى قطب حضاري يعيد تشكيل الشرق الأوسط.

والفرق بين الحالتين ليس في الإمكانات وإنما في القدرة على الانتقال من إدارة الجغرافيا إلى صناعة المجال.

وأخيرا فإن من مصلحة دول الجزيرة العربية أن يعيدوا فتح شبكة التواصل العربي والإسلامي من خلال استراتيجية الوصل الحضاري والممانعة الحضارية ضد أي تدخلات أجنبية وتأسيس قاعدة اقتصادية استراتيجية دون حكر لأي معلومات تقنية وتكنولوجية وصناعية وهذا لن يتحقق إلا بإعادة تعريف الذات الحضارية الإسلامية وليست الحضارات القومية والقطرية التي تحولت من كونها حضارات عربية قديمة إلى حضارات جهوية ايدلوجية.

وما لا تصنعه الإرادة الواعية فإن الوعي الجبري سيعيد ترتيبه بسنن القهر الارجاعي أو الاستبدالي.

تحرير المقال


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

طرد السفير الإيراني يشعل الصراع السياسي في لبنان.. وبري في مواجهة الضغوط

حشد نت | 542 قراءة 

اختراق الأجواء السعودية وتدمير 33 طائرة وإعلان لوزارة الدفاع.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 432 قراءة 

تفاصيل جديدة حول الشخص الذي أجبر خالد مقبل على تقديم بناته في صلح قبلي بذمار

نيوز لاين | 366 قراءة 

الحكومة تزف بشرى سارة لليمنيين المقيمين في السعودية

نيوز لاين | 337 قراءة 

زلزال (الإقامة الجبرية) لوفد الانتقالي مجددا!

موقع الأول | 309 قراءة 

السنيدي: الجدل حول الصبيحي لا يستند إلى قانون.. ورفع العلم مسألة سيادية

عدن الغد | 298 قراءة 

يمطروننا غدرا..ويمطرنا الله غيثا

عدن توداي | 258 قراءة 

الحوثيون يعلنون استعدادهم للسيطرة على مضيق باب المندب

الموقع بوست | 226 قراءة 

صحفي جنوبي بارز يدّعي أنه المهدي المنتظر .. ما قصته؟

الوطن العدنية | 224 قراءة 

إجراءات أمنية مشددة تُفشل تهريب أسلحة في حضرموت

كريتر سكاي | 200 قراءة