من عاصفة إلى أخرى!

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 106 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
من عاصفة إلى أخرى!

*عزالدين سعيد الأصبحى :

**ما زلنا نتنقّل من عاصفةٍ إلى أخرى، ومن سردابٍ إلى آخر، كأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش في ظلال الخرائط المكسورة. فهل تكون هذه اللحظة بداية الرشد؟ أم أن العاصفة القادمة… لا تزال في الطريق؟*

دخل صدام حسين الكويت في الثاني من آب/ أغسطس 1990، ولم تخرج المنطقة كلّها من تلك الورطة حتى اللحظة. فما تزال تداعيات تلك المغامرة تسكن بنية البيت العربي، كشقوقٍ دقيقة في جدارٍ قديم. رحل جيلٌ كامل عن المشهد، لكن المأساة لم ترحل معه، بل بقيت ترفرف فوق خرائطنا كغبارٍ لا يهدأ.

لقد شكّلت تلك الخطوة ضربةً قاصمة لبنية الذهن العربي، وللأمن الإقليمي، وللعلاقات العربية–العربية، ولموقع المنطقة في توازنات العالم.

وجاءت «عاصفة الصحراء»، فلم تعصف بصدام ونظامه فحسب، بل ومحيطه أيضاً، وبفكرة الدولة القومية حين تُستدرج إلى مقامرة التاريخ. ولم يتوقف السقوط عند لحظة إسقاط النظام، بل ازداد التصدّع عمقاً واتساعاً، حتى بدت المنطقة وكأنها تمشي على ذاكرةٍ مثقلةٍ بالركام.

ثلاثة عقود ونصف مضت منذ هدأت المدافع، ولم تهدأ زوابعها. فبعض العواصف لا ينتهي حين تصمت الطائرات، بل حين تستعيد الجغرافيا عافيتها… وهذا ما لم يحدث بعد.

*واليوم يطلّ السؤال من جديد: ماذا عن سقوط نظام طهران؟ إلى أين تمضي الأمور؟ وما شكل الجغرافيا بعد الحرب القائمة؟ وأيُّ خرائط ستُعاد كتابتها بالحبر والنار معاً؟*

النظام الإيراني، الوارث لإحدى أهم إمبراطوريات التاريخ، لا يزال يرنو إلى المستقبل من سرداب الماضي. بنى سرديّته، طوال أربعة عقود ونصف منذ ثورة العمائم، على علاقة متوتّرة مع محيطه العربي، وكأنه يقف على الضفة نفسها لكن بروحٍ تعيش في زمنٍ آخر.

فهل برحيله تُطوى صفحة التوجّس العربي من تطلّعٍ فارسيٍّ متربّص؟ أم أن حرباً تتّسع رقعتها يوماً بعد يوم ستغذّي هذا التوجّس بدل أن تطفئه؟

قد نجد أن طهران، حتى وهي تتبدّل، لم تغادر دائرة الارتياب من الجار، منطلقةً من حالةٍ ذهنيةٍ عميقة لم تفارقها. حالة مشبعة بصراعات التاريخ ورواسبه، حيث تختلط الأسطورة بالسياسة، والهوية بالهيمنة.

فالحرب لا تقول إلا أن جنونها يفتح أبواباً أخرى للجحيم، وأن صعود بديلٍ مغاير في طهران قد يكون أكثر عداءً للمنطقة من نظام الولي الفقيه، أو أكثر ارتهاناً لتوازناتٍ جديدة تعيد رسم الاصطفافات. وقد يتحوّل «الهلال الشيعي» الذي أفل إلى طوقٍ آخر، يتزيّن بنجمةٍ مسدسة أخرى، في شرقٍ لا يكفّ عن تبديل خرائط الخوف.

ما البديل المرتقب بعد انهيار الرموز التي صاغت خطاب «المهدي المنتظر»؟ ذلك سؤال اللحظة، خصوصاً مع التحوّل الواضح في مزاج بعض النخب؛ إذ ما كان يُقال همساً صار يُقال جهاراً.

تأييدٌ لإسرائيل خرج من الظل إلى الضوء، لا بوصفه موقفاً سياسياً عابراً، بل خطاباً واثقاً يعيد تعريف العدوّ والصديق معاً. بدأ المشهد في أوساطٍ مختلفة من النخب الإيرانية في الخارج، حيث بدا رفع العلم الإسرائيلي في بعض الحشود المعارضة لافتاً، ثم تسلّل إلى الداخل كشقٍّ في جدار السردية الرسمية. ومن هناك امتدّ صداه إلى فضاءاتٍ عربية أخرى، حيث لم يعد التطبيع توقيعاً بارداً على ورق، بل تبريراً أخلاقياً للهيمنة، وتصفيقاً لها أحياناً.

*وحين تتبدّل لغة النخب، تهتزّ طبقات الأرض تحت أقدام الأنظمة. فالسرديات لا تسقط بصاروخ، بل بتآكل المعنى في العقول، وبانزلاق المفاهيم من مواقعها الأولى.*

بالنسبة لإسرائيل، هو اطمئنانٌ استراتيجي. وبالنسبة للأنظمة، جرس إنذارٍ صاخب: *الخطر لم يعد عند الحدود فقط، بل في الوعي الذي يُعاد تشكيله من الداخل، في المدارس والمنابر والشاشات.*

لقد مضت طهران في مسارٍ يصادم محيطها العربي، وعمدت طوال أكثر من أربعين عاماً إلى تصدير الثورة وزعزعة الاستقرار، بمقاربةٍ لم تُدرك أن استقرار المنطقة شرطٌ لأمنها، وأن إلغاء الجغرافيا وهمٌ في حسابات السياسة، مهما طال الزمن.

لكن السؤال يبقى معلّقاً في سماء اللحظة: هل سيؤدي رحيل النظام في طهران إلى إعادة ترتيب العلاقات العربية–الإيرانية بما يخدم الأمتين الجارتين؟ أم أننا سنكون أمام سردابٍ آخر، لا يخرج منه مهديٌّ منتظر، ولا يلوح في آخره ضوء، سوى ظلّ عاصفةٍ جديدة تبدأ من حيث ظنّ الجميع أن العواصف انتهت؟

*ربما آن الأوان لأن نتوقف لحظةً خارج ضجيج المدافع، لنطرح سؤالاً أكثر قسوة: ليس ماذا فعل الآخرون بنا… بل ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟*

هنا تستحضر الذاكرة كلمات الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش، التي تتجاوز البوسنة لتلامس وجدان العالم العربي كله: *”لقد بقينا حتى الآن نتحدث عن الخسائر والهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لأن نبدأ الحديث عن الخسائر والهزائم التي ألحقناها نحن بأنفسنا. وستكون هذه بداية رشدنا”.*

تلك ليست مجرد حكمة عابرة، بل مفتاح بابٍ أغلقناه طويلاً. فالأمم لا تخرج من عواصف التاريخ بتحميل الهزيمة للآخرين، بل بمراجعة ذاتها، وإعادة بناء وعيها، واستعادة مشروعها.

أما نحن، فما زلنا نتنقّل من عاصفةٍ إلى أخرى، ومن سردابٍ إلى آخر، كأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش في ظلال الخرائط المكسورة. فهل تكون هذه اللحظة بداية الرشد؟ أم أن العاصفة المقبلة… ما تزال في الطريق؟

نعم… تلك بداية الرشد. والحكمة ضالّة المؤمن…

لكن أين هم المؤمنون؟

*سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة

**نقلا عن جريدة النهار اللبنانية


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

تصعيد لافت في خطاب المشاط: تهديد مباشر للسعودية بـ”انتزاع الحقوق بالقوة”

عدن أوبزيرفر | 528 قراءة 

مصدر أمني يوضح حقيقة الانفجار الذي هز شمال عدن فجر اليوم

موقع الأول | 385 قراءة 

اختراق الأجواء السعودية وتدمير 33 طائرة وإعلان لوزارة الدفاع.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 373 قراءة 

تفاصيل جديدة حول الشخص الذي أجبر خالد مقبل على تقديم بناته في صلح قبلي بذمار

نيوز لاين | 317 قراءة 

الحكومة تزف بشرى سارة لليمنيين المقيمين في السعودية

نيوز لاين | 274 قراءة 

السنيدي: الجدل حول الصبيحي لا يستند إلى قانون.. ورفع العلم مسألة سيادية

عدن الغد | 252 قراءة 

يمطروننا غدرا..ويمطرنا الله غيثا

عدن توداي | 212 قراءة 

إجراءات أمنية مشددة تُفشل تهريب أسلحة في حضرموت

كريتر سكاي | 179 قراءة 

أصبح أسيرا!!.. اعتقال (مهندس صفقات الأسرى) يثير .موجة استنكار واسعة 

موقع الأول | 168 قراءة 

صحفي جنوبي بارز يدّعي أنه المهدي المنتظر .. ما قصته؟

الوطن العدنية | 153 قراءة