ضدّ الانفلات الأخلاقي في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 108 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
ضدّ الانفلات الأخلاقي في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي

بشرى العامري:

قبل أن نتحدث عن أزمة الحريات التي تواجه الصحافة، ينبغي أن نتوقف أولا عند أزمة المهنة نفسها، وأزمة من يمتهنونها.

فالمشكلة اليوم ليست فقط في تضييق أو توسيع هامش الحرية، بل في اهتزاز معنى الصحافة، واختلاط المفاهيم حتى أصبح كل من استطاع جمع عدد من المتابعين على منصة تواصل اجتماعي يُعرِّف نفسه كإعلامي، بل ويُقدَّم بوصفه مؤثرا وموجّها للرأي العام.

في اليمن، كما في غيرها من البيئات الهشّة، تعرّض العمل الصحفي لإهانة حقيقية.

فلم يعد الانتماء إلى المهنة قائما على التأهيل أو الخبرة أو الانخراط في مؤسسات إعلامية معروفة، بل على القدرة على إثارة الجدل، ورفع الصوت، والنيل من الآخرين بأساليب ملتوية ورخيصة وحتى غير اخلاقية.

لا شهادات، ولا تدريب مهني، ولا التزام بمدونات سلوك، فقط حضور رقمي صاخب، ولغة سوقية وهجومية، وجمهور يبحث عن معركة جديدة.

وفي مجتمع أنهكته الحروب، أصبح يعيش على إيقاع الصراع اليومي، في فيسبوك أو منصة أكس، يجد كثير من الناس في الخطاب المتشنج متنفسا أو تسلية.

ينجذب العامة إلى من يسيء الأدب ويشعل الخصومات، ليس ضد المؤسسات الرسمية فحسب، بل ضد الأفراد والمجتمع بأسره، وكلما ازداد الانحدار الأخلاقي، ازداد عدد المتابعين، وكأن معيار التأثير أصبح مرتبطا بمدى القدرة على الهدم لا البناء.

قد يُعذر بعض العامة لقصور المعرفة، وإن كان الجهل لا يعفي من المسؤولية، لكن الصدمة الحقيقية تكمن في تبجيل بعض الجهات الرسمية أو السياسية لهؤلاء، واستخدامهم أدوات في صراعاتها، لمجرد أنهم يهاجمون الخصوم بلا ضابط ولا وازع.

 أي نصر إعلامي هذا الذي يتحقق عبر أدوات غارقة في وحل الإساءة والتشهير؟

وأي إنجاز لذكر أو أنثى كل قدراتهم، هي الظهور بفيديو فيه ردح على هذا، وشتم لهذه.

إن خسارتنا الأخلاقية كمجتمع أعلى كلفة بكثير وأبعد أثرا من أي مكسب سياسي أو إعلامي مؤقت.

وفي مشهد تحوّل فيه التشهير والسبّ والقذف إلى ما يشبه “شجاعة إعلامية ” يُروَّج له بوصفه إنجازا وبطولة، انقلب الميثاق المهني لدى الكثير من المؤثّرين، بل والصحفيين السابقين الذين ركبوا موجة الظهور في الحسابات الإلكترونية إلى ميثاق غير أخلاقي تدفع إليه هشاشة فكرية ومهنية، وأحيانا ضغوط مادية. فبدل أن يكون الإعلام سلطة رقابية مستقلة، أصبح عند البعض أداة دعائية مأجورة، تمتهن السُّخرة الإعلامية لصالح أطراف في السلطة، أو الأحزاب، أو مراكز النفوذ ورأس المال، حيث يُختزل الدور المهني في الهجوم والتلميع وتصفية الحسابات.

إننا أمام حاجة ملحّة إلى يقظة مجتمعية تعيد الاعتبار لميثاق شرف المهنة، وتبدأ هذه اليقظة بضبط المصطلحات، ومعرفة من هو الإعلامي؟ ومن هو الصحفي؟ وما الفرق بين الناشط الرقمي، وصانع المحتوى، والصحفي المحترف؟.

 إن الخلط بين هذه المسميات يسيء إلى الجميع، لكنه يضرّ بالمهنة أكثر من غيرها.

نحن بحاجة ماسة اليوم الى رفع الذوق العام ليكون رافضاً لأى انحدار.

كما نحتاج إلى قواعد أخلاقية واضحة تحكم الفضاء الرقمي، وتعزز دور المجتمع في رفض كل خطاب قائم على الإساءة والتشهير، وانتهاك الأعراض وبثّ الكراهية.

وهذا يتطلب إطارا قانونيا حديثا يراعي التحولات الرقمية دون أن يتحول إلى أداة لتقييد حرية الرأي والتعبير.

المطلوب اليوم ليس خنق الحريات بل حمايتها من الانفلات الذي يحولها إلى فوضى مدمّرة.

والسؤال بسيط، هل نقبل أن يمارس الطب من لم يدرسه، وأن يقدّم نصائح طبية من يجهل أبسط قواعده؟ هل نأخذ رأيا هندسيا من غير مهندس؟ فلماذا نمنح صفة “إعلامي” أو “صحفي” لكل من كان سليط اللسان، عالي الصوت، ثم نرشحه لمواقع سياسية أو منابر عامة بوصفه خبيرا اعلاميا في الشأن العام؟

إن أول خطوة للإصلاح هي حماية المهنة من الدخلاء، عبر أهلها أنفسهم، بنقابات فاعلة ومؤسسات قوية، ومعايير اعتماد واضحة، ومسارات تدريب وتأهيل مستمر. فالمعركة الحقيقية ليست ضد حرية التعبير، بل ضد العبث الذي يختطفها، وضد الانحدار الأخلاقي الذي يهدد نسيج المجتمع.

إن الإعلام، في جوهره، رسالة ومسؤولية، وإذا سقطت الأخلاق، سقطت الرسالة، وتحول الصوت العالي إلى ضجيج، والانتشار إلى وهم تأثير. المجتمعات الحقيقية السليمة لا تُبنى بالضجيج، بل بالكلمة المسؤولة، والحرية المنضبطة بالقيم، والاختلاف المحكوم باحترام الإنسان.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

تصعيد لافت في خطاب المشاط: تهديد مباشر للسعودية بـ”انتزاع الحقوق بالقوة”

عدن أوبزيرفر | 506 قراءة 

مصدر أمني يوضح حقيقة الانفجار الذي هز شمال عدن فجر اليوم

موقع الأول | 359 قراءة 

اختراق الأجواء السعودية وتدمير 33 طائرة وإعلان لوزارة الدفاع.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 343 قراءة 

تفاصيل جديدة حول الشخص الذي أجبر خالد مقبل على تقديم بناته في صلح قبلي بذمار

نيوز لاين | 293 قراءة 

انهيار مفاجئ في المعلا بعدن.. سقوط خمس بلكونات من عمارة سكنية يثير الذعر

شمسان بوست | 258 قراءة 

الحكومة تزف بشرى سارة لليمنيين المقيمين في السعودية

نيوز لاين | 250 قراءة 

ايران تعلن عن "مفاجآت" مربكة !

العربي نيوز | 249 قراءة 

السنيدي: الجدل حول الصبيحي لا يستند إلى قانون.. ورفع العلم مسألة سيادية

عدن الغد | 235 قراءة 

تهديد خطير يلوح في الأفق.. الحوثيون يكشفون قدرتهم على إغلاق باب المندب وتعطيل التجارة العالمية

شمسان بوست | 204 قراءة 

إجراءات أمنية مشددة تُفشل تهريب أسلحة في حضرموت

كريتر سكاي | 166 قراءة