«الحجر من القاع… والدم من رأس القبيلي»: حين تتحول الأمثال الشعبية إلى شهادة إدانة للتاريخ والواقع

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 141 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
«الحجر من القاع… والدم من رأس القبيلي»: حين تتحول الأمثال الشعبية إلى شهادة إدانة للتاريخ والواقع

بشرى العامري:

ليست كل الأمثال الشعبية بريئة، ولا كل ما توارثناه حكمة صافية. بعض الأمثال وُلدت في لحظات ظلم، ثم عاشت طويلاً لأن الضحية لم تُمنح فرصة فهم معناها الحقيقي. ومن بين هذه الأمثال، يبرز المثل اليمني الشهير: «الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي»، بوصفه واحداً من أكثر الأمثال التباساً وسوء فهم في الوعي الجمعي اليمني.

تقول قصة المثل انه في مطلع القرن التاسع عشر، بين عامي 1816 و1835، لم يكن اليمن وطناً واحداً بقدر ما كان ساحة صراع أكثر من إمام، وأكثر من راية، وأكثر من حلم سلطة.

في صنعاء تحديداً، كان المهدي عبد الله بن أحمد بن علي الرسي، والهادي أحمد بن علي السراجي، يتنازعان الحكم، وكلٌ منهما يريد البلاد كاملة، أو لا يريدها أبداً. في الخارج، كان العثمانيون يقتربون من اليمن في عودتهم الثانية، والبريطانيون يمدون أعينهم نحو عدن، وفي الداخل كانت القبائل تدفع الثمن وحدها.

انقسمت القبائل، لا عن قناعة، بل عن تبعية. تقاتل بعضها بعضاً دفاعاً عن أسماء لم تكن تقاتل بنفسها.

استمرت الحرب عاماً أو أكثر، سقط فيها القبيلي تلو الآخر، تهدمت البيوت، أُحرقت المزارع، وامتلأت الأرض بدماء لا يعرف أصحاب القرار أسماء أصحابها.

وحين أنهكت الحرب الجميع، اكتشف الإمامان فجأة أن النار التي أُشعلت خرجت عن السيطرة، وأن استمرارها لم يعد يخدم الحكم، عندها أُرسلت الوفود للصلح، لا من القبائل التي دفعت الدم، بل من بيوت السلالة والنخب الدينية؛ وجوه لم تحمل سلاحاً، ولم تفقد بيتاً، ولم تحفر قبراً.

اجتمعوا في أحد المنازل. كان الهادي غاضباً، ناقماً على ما أصاب أتباعه من دمار. كان يتحدث عن البيوت التي تهدمت، وعن الخسائر التي لحقت بممتلكات مناصريه. استمع إليه المهدي، ثم اقترب منه، وضحكة خفيفة تعلو وجهه، وسأله بسؤال بدا بسيطاً لكنه كان جارحاً:

هل انهدم بيتي أو بيتك؟ هل قُتل أولادي أو أولادك؟

وحين جاءه النفي، قال عبارته التي ستعيش أكثر من أصحابها:

“الحجر من القاع، والدم من رأس القبيلي.”

لم تكن العبارة حكمة، ولا مثلاً شعبياً عفوياً. كانت اعترافاً صريحاً بمنطق الحكم آنذاك: ما يُهدم يمكن تعويضه، أما الدم، فليس دمنا. القبيلي هو الذي يُقاتل، ويُقتل، يُهجّر، بينما الحكم، والقرار، والمكانة، تبقى في الأعلى، بعيدة عن السيوف والرصاص.

ومنذ تلك اللحظة، خرجت الجملة من الغرفة، وانتشرت في الناس، لكنها فقدت قصتها. تحولت مع الزمن إلى مثل، ثم إلى “حكمة”، ثم إلى عبارة تُقال بلا وعي، وكأنها تبرر واقعاً لا تصفه فقط.

 ومع كل جيل لم يقرأ التاريخ، صار المثل أكثر خطورة، لأنه يُردَّد دون إدراك أنه كُتب بدم الآخرين.

المؤلم أن هذا المنطق لم ينتهِ بانتهاء تلك المرحلة. تغيّرت الأسماء، وتبدلت الوجوه، لكن الفكرة بقيت موجودة حتى اللحظة، القتال للقبائل، والخسارة للعامة، والمناصب محفوظة، والدم دائماً “من رأس القبيلي”. وكأن الزمن يدور في حلقة، يعيد إنتاج المأساة نفسها بأدوات جديدة.

ليس المثل هو المشكلة، بل الطريقة التي قُبل بها. فالشعوب التي لا تقرأ تاريخها جيداً، تتحول بسهولة إلى أحجار شطرنج، تُحرّكها أيدٍ لا تنزل إلى الميدان.

وحين لا نعيد النظر في أمثالنا، نصبح أسرى لها، نعيشها واقعاً بدل أن ندفنها في كتب التاريخ.

“الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي” ليس مثلاً عابراً، بل شهادة إدانة. وحين نفهمه كما قيل أول مرة، ندرك أن كسر الدائرة يبدأ من الوعي… لا من ترديد المثل.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

تصعيد لافت في خطاب المشاط: تهديد مباشر للسعودية بـ”انتزاع الحقوق بالقوة”

عدن أوبزيرفر | 506 قراءة 

مصدر أمني يوضح حقيقة الانفجار الذي هز شمال عدن فجر اليوم

موقع الأول | 359 قراءة 

اختراق الأجواء السعودية وتدمير 33 طائرة وإعلان لوزارة الدفاع.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 346 قراءة 

تفاصيل جديدة حول الشخص الذي أجبر خالد مقبل على تقديم بناته في صلح قبلي بذمار

نيوز لاين | 293 قراءة 

انهيار مفاجئ في المعلا بعدن.. سقوط خمس بلكونات من عمارة سكنية يثير الذعر

شمسان بوست | 258 قراءة 

الحكومة تزف بشرى سارة لليمنيين المقيمين في السعودية

نيوز لاين | 250 قراءة 

ايران تعلن عن "مفاجآت" مربكة !

العربي نيوز | 249 قراءة 

السنيدي: الجدل حول الصبيحي لا يستند إلى قانون.. ورفع العلم مسألة سيادية

عدن الغد | 236 قراءة 

تهديد خطير يلوح في الأفق.. الحوثيون يكشفون قدرتهم على إغلاق باب المندب وتعطيل التجارة العالمية

شمسان بوست | 204 قراءة 

إجراءات أمنية مشددة تُفشل تهريب أسلحة في حضرموت

كريتر سكاي | 166 قراءة