في منزل السياسي اليمني البارز محمد قحطان في صنعاء، لا يزال كل شيء تقريبًا على حاله منذ لحظة اختطافه في 4 أبريل/نيسان 2015، حين اقتحمت عناصر تابعة لجماعة الحوثي منزله واقتادته إلى جهة مجهولة.
منذ ذلك اليوم، تحوّل المنزل إلى فضاء معلّق بين الغياب والرجاء، حيث يكبر الأبناء والأحفاد، ويرحل كبار العائلة، على وقع انتظارٍ طويل، دون أي معلومة مؤكدة عن مصيره أو حالته الصحية.
ويُعد قحطان، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، وأحد أبرز الوجوه السياسية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، من أبرز حالات الإخفاء القسري في اليمن، إذ ترفض جماعة الحوثي حتى اليوم الكشف عن مكان إخفائه أو السماح له بالتواصل مع أسرته، رغم المطالبات المحلية والدولية المتكررة.
جولات التفاوض والأمل المنكسر
خلال العقد الماضي، شهد ملف المختطفين عدة جولات تفاوض بين الحكومة اليمنية المعترف بها وجماعة الحوثي، برعاية أممية ودولية، عقدت جميعها خارج البلاد.
ومع كل جولة، تعيش أسرة قحطان حالة متكررة من الترقب والحذر. فمنذ اتفاق ستوكهولم أواخر 2018، مرورًا بجولات التفاوض في سلطنة عمان والأردن، ظل اسم قحطان حاضرًا في التصريحات الرسمية، وغائبًا عن أي نتائج ملموسة.
يقول زيد محمد قحطان، نجل القائد السياسي المختطف، في حديث سابق لـ“بران برس”: “كنت أتمنى أن تصلنا أخبار مطمئنة، لكن كلما نشعر باقتراب الفرج نعود إلى نقطة البداية”.
وأضاف أن الحوثيين يرفضون حتى مناقشة وضع والده عنه، معبّرًا عن أسفه أن يمضي عقدًا كاملًا دون أن يستمع أحد لنداءات عائلته التي تتفاقم معاناته ولا تعرف عنه شيئًا حتى الآن.
ويشير الصحفي والمختطف السابق لدى جماعة الحوثي، عصام بلغيث، إلى أن حالة الترقب التي تعيشها الأسر تتكرر مع كل جولة مفاوضات، موضحًا أن “عائلات المختطفين تترقب نتائج أي مفاوضات على أمل الإفراج عن ذويها”.
ويضيف لـ“برّان برس” أن جماعة الحوثي “تتعمد، خلال هذه الجولات، الضغط نفسيًا على عائلات المختطفين، وخاصة أسرة السياسي محمد قحطان، من خلال نشر شائعات وفاته تارة ورفض الإفصاح عن مصيره تارة أخرى”.
اختبار جديد للضمير الدولي
تحتضن العاصمة الأردنية عمان حاليًا جولة مفاوضات جديدة بشأن ملف الأسرى والمختطفين، أُعلن عنها في فبراير/شباط 2026، وسط تأكيدات حكومية على التمسك بإدراج قحطان ضمن أي اتفاق قادم، باعتباره “حالة إنسانية لا يمكن تجاوزها”.
وتعد هذه الجولة امتدادًا لمسار تفاوضي سابق، بما في ذلك الجولات التي عقدت في مسقط.
ورغم ذلك، لا تزال المؤشرات العملية محدودة، في ظل استمرار رفض جماعة الحوثي تقديم أي معلومات بشأنه، وهو ما وثّقته تقارير أممية سابقة دعت إلى الإفراج عنه والكشف عن مصيره.
ويؤكد بلغيث أن استمرار إخفاء قحطان طوال هذه المدة، دون تمكين أسرته من التواصل معه، يمثل “انتهاكًا صارخًا للقوانين الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان”، مشيرًا إلى أن عائلته “تواجه معاناة مستمرة في ظل الاختطاف وغياب أي معلومات عن مصيره”.
أمل وترقب حذر
من جانبه، يقول الصحفي والمختطف السابق هشام طرموم، إن المعلومات التي تسربت بشأن المفاوضات الجارية، والتي تعد امتداد للجولة العاشرة في مسقط، تشير إلى أن وجود تقدّم نسبي، بما في ذلك تبادل القوائم بين الأطراف.
وأضاف أن هذه الجولة تمثل “بارقة أمل” لعائلات المختطفين، بما فيها أسرة قحطان، التي تترقب أن نتائج قد تفضي إلى الأفراج عنه.
وأشار إلى أن اسم قحطان طُرح في جولات سابقة، بما في ذلك التفاهمات التي أُعلن عنها في مسقط، دون أن تترجم إلى خطوات عملية حتى الآن.
ورغم هذا، أكد طرموم أن هذه الجولة تحظى بترقب وأمل كبير من قبل عائلات المختطفين، وبالأخص عائلة السياسي قحطان، في ظل المعلومات المتداولة بشأنه.
قضية تختزل ملف المختطفين
لا تنفصل قضية قحطان عن سياق ملف المختطفين في اليمن، لكنها تكتسب خصوصيتها من كونه شخصية سياسية مدنية بارزة، ومن طول مدة إخفائه دون أي تواصل، رغم تقدمه في السن.
داخل الأسرة، تحاول الزوجة والأبناء التماسك في مواجهة هذا الغياب الطويل، فيما تصف بثينة قحطان السنوات التي مرّت بأنها “عمر كامل“.
وكتبت في منشور سابق تصف فيه أثر الغياب على عائلتها قائلة: “لا شيء في هذه الدنيا يُعوض غيابك، ولا أحد يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تركته في حياتنا”.
ويصف الصحفي بلغيث ما تعرض له قحطان وعائلته بأنه “جرائم مركبة”، بدأت باقتحام منزله، وفرض إقامة جبرية عليه، ثم اختطافه، ووصولًا إلى إخفائه قسرًا منذ 11 سنة، وما رافق ذلك من إرهاب نفسي على أسرته من خلال نشر الشائعات بين فترى وأخرى بشأن مصيره.
موقف ضعيف
في المقابل، عبّرت فاطمة قحطان، في حديث سابق لـ“برّان برس”، عن أسفها لما وصفته بـ“ضعف” موقف الحكومة اليمنية المعترف بها والأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه قضية والدها.
واعتبرت أن استمرار هذا الموقف يمثل تقاعسًا عن معالجة قضية إنسانية مستمرة، مطالبة بمواقف أكثر جدية للضغط من أجل كشف مصيره.
واعتبرت استمرار هذا الموقف يمثل تقاعسًا عن معالجة قضية إنسانية مستمرة، طالبة في رسالة وجهتها سابقًا عبر “بران برس”، الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي بمواقف أكثر جدية للضغط من أجل كشف مصيره وإطلاقه.
قرار أممي معطل
في عام 2015، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2216، الذي نص على الإفراج عن السياسي محمد قحطان وأربعة آخرين. وقد أُفرج عن بقية المشمولين بالقرار خلال السنوات الماضية، فيما لا يزال قحطان قيد الإخفاء.
وفي 20 يناير 2016، حذّرت منظمة العفو الدولية، من تعرضه لخطر التعذيب وسوء المعاملة. فيما اعتبرت منظمات حقوقية حالته جريمة إخفاء قسري مستمرة لمدني يتمتع بالحصانة الدولية بموجب القرار 2216، وقد ترقى إلى جرائم الحرب، وتستوجب ملاحقة مرتكبيها محليًا ودوليًا.
وأكد حقوقيون أن وضع قحطان كأولوية قصوى ليس تفضلاً، بل هو تطبيق ملزم لقرار مجلس الأمن الدولي 2216 وضمان لشرط النزاهة الأخلاقية لأي مسار تفاوضي يهدف للسلام العادل.
سؤال مفتوح
بعد أكثر من عقد على اختطافه وإخفائه، لم تعد قضية السياسي محمد قحطان مجرد ملف تفاوضي، بل تحولت إلى اختبار لمدى جدّية ونزاهة الأطراف الفاعلة في معالجة ملف المختطفين.
وبينما تستمر المفاوضات في أروقة السياسة، تبقى أسرة قحطان عالقة في واقع يومي من الانتظار المرّ، لا تبحث فيه عن مكاسب سياسية، بل عن معلومة بسيطة عن مكانه وصحته. وفي ظل غياب هذه الإجابة، يظل السؤال مفتوحًا: متى يتحول الملف الإنساني في اليمن من ورقة تفاوض إلى أولوية لا تقبل التأجيل؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news