على رصيفٍ آمن

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 64 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
على رصيفٍ آمن

*عزالدين سعيد الأصبحي :

**أرصفةٌ تتشابه ملامحها في مدننا العربية: من باعة الورد والصحف، الى العابرين بالألم. مدنٌ تحتضنك أرصفتها، حيث المأوى الآمن للمقاهي والصحف وفاقدي الأمل.

______

وقفت القاعةُ المكتظّةُ بالصحافيين وأهلِ السياسة تُصفِّق طويلاً لرجلٍ قصير القامة، يحمل تحت ذراعه كرتونةً صغيرةً تضمُّ حزمةَ صحف. بدا مبهوراً بزحام جديد؛ زحام لا يشبه ما اعتاده على الأرصفة. وقد تركت سنوات العمر الطويلة أثرها على ملامحه الوضيئة. لم يكن المشهد سوى تكريمٍ من بيت الصحافة في طنجة لأقدم بائع صحفٍ متجوّلٍ في أرصفة المدينة المطلة على تقاطع البحار والثقافات.

طنجة، عاصمة الشمال المغربي، الإقليم الذي تصدّر الأسبوع الماضي أخبار السيول والفيضانات، لكن كما يقول العارفون: حيث يعلو الماء لا يغرق القلب. تلك مدنٌ تقاوم التعب وتطفو على قلوب المحبين.

صعد الرجل، ضئيل الجسد عظيم العطاء، إلى المنصة، يلوّح بصحف الصباح كما يفعل منذ أكثر من نصف قرن، في مدينةٍ عرفت ميلاد الصحف بكل اللغات منذ أكثر من مائة عام.

توقّفت دمعةُ جيلٍ من الكُتّاب، ولفّ عبقُ الحبر المكان، وعادت موسيقى همس المطابع إلى الأذهان.

استعاد كلُّ شخص شريطاً لا يتوقف: معاركُ جرائد الصباح المفعمة بالنشاط، وأرصفةٌ تحنو عليك وأنت تهرع لمتابعة خبرٍ أو تلحق بحدث.

اليوم يهتزُّ هاتفك كل ثانية ليخبرك بأخبار الدنيا، وأنت في زاويةٍ باردة لا يحرّك فيك شيئاً.

توالت الذكريات التي نثرها الحاج عبدالقادر، بائع الصحف من أرصفة طنجة إلى أرصفة مدنٍ شتّى تتشابه بالحلم الجميل. شهاداتٌ لا تنتهي عن أهمية الصحافة وتحديات النشر الرقمي، وعن السؤال القلق: هل نطوي في العقد المقبل آخر أيام الصحافة المكتوبة؟

يرى خبراء إعلام أن عهد الصحافة الورقية قد ينتهي بحلول عام 2043، وفق ما ذهب إليه المؤلف الأميركي فيليب ماير في كتابه «النهاية الحتمية للإعلام الورقي»، إذ يتنبأ بأن آخر مطبوع ورقي سيصدر في ذلك العام.

بالنسبة لي، سبعة عشر عاماً ليست قليلة؛ فيها متّسع لإنجاز خمسة كتبٍ جديدة على الأقل، وشهادةٍ على سبع حروبٍ مقبلة إن ظلّ العالم يسير بوتيرة الجنون نفسها منذ 2011.

لكن الخشية ليست فقدان رائحة الحبر المميّزة فحسب، بل فقدان مهنة الصحافة ذاتها. فغول التطور الرقمي، وإن حمل محاسن كثيرة، يحمل بلاويه أيضاً.

إذا كانت سرعة النشر والوصول إلى المعلومة أمراً مريحاً، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليست كلها باعثةً على الطمأنينة؛ فقد غدت مطيّةً لكل مدّعٍ، يطلّ علينا بمنشوراتٍ لا أول لها ولا معنى، ويصرّ على أنه كاتب، وهو في الحقيقة يمتهن الكتابة.

وكلمة يمتهن تحمل معنيين: اتخاذ المهنة للكسب، وابتذال الشيء وامتهانه؛ وحتماً نقصد المعنى الثاني. تلك هي كارثة الصحافة: ليس انتهاء الورق، بل تآكل الأخلاق.

ولست هنا لأتحدث عن مقولة “يمتهن السياسة”، ولا عن مسار الحريات الصحفية، بل عن شجونها… عن تلك اللحظة التي غادرتُ فيها قاعةً مكتظة بالحاضرين لكنها كانت مملوءة بالشجن: شجن لزمن مضى في مدن بعيدة، شجن لهدير المطبعة، والأيادي المخضّبة بالحبر، ودهشة النظرة المشبعة بالحب لمانشيت الصفحة الأولى.

وشجن قراءةٍ مسائيةٍ لقصيدة نثرٍ لشاعرٍ مطارد، تخشى الأجهزة تلميحاته أكثر مما تخشى فعل العصابات المنظمة.

اليوم الفضاء مزدحم بصغارٍ يكتبون جملاً لا يُحسنون نطقها، وتلوّح حولهم آلاف الأيدي بالإعجاب في سماء النشر الافتراضي.

إنه نشرٌ لجمهورٍ متخيّل… فأين منه جمهور الأرصفة الذي كان ينتظر باعة الصحف في أرصفةٍ تضج بالحياة، بالعابرين، وبأصحاب العاهات، وبباعة الورد؟

أرصفةٌ تتشابه ملامحها في مدننا العربية: من باعة الورد والصحف، الى العابرين بالألم. مدنٌ تحتضنك أرصفتها، حيث المأوى الآمن للمقاهي والصحف وفاقدي الأمل.

وتبقى الصحافة الحقيقية، مهنة النبلاء المفروشة طريقها بالجمر والحرير ،وأكثر المهن خطورة فقد أصدر الاتحاد الدولي للصحافيين، في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، قائمته السنوية الخاصة بالصحافيين والعاملين في مجال الإعلام الذين قُتلوا خلال العام، موثقاً مقتل 128 صحافياً وإعلامياً حول العالم، من بينهم عشر صحافيات، في عام اعتبر من أكثر الأعوام دموية للمهنة.

وللعام الثالث على التوالي، كانت منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي الأكثر تضرراً، إذ قُتل فيها 74 صحافياً، من بينهم 56 في فلسطين، ما يشكل 58% من إجمالي الصحافيين القتلى حول العالم.

هكذا هو قدر هذا الوطن العربي، أن يكون ساحة حروب للآخرين، ومهبطاً لكل أنواع الألم، عن البشرية جمعاء.

قد تتطور البرامج، ويتغيّر شكل الإعلام من ورقٍ أبيض وحبرٍ أسود إلى فضاءٍ إلكتروني غير مرئي، لكن الثابت الذي لا يتبدّل هو حاجتنا إلى سماء حريةٍ مفتوحة على اتساع فضاء خلق الله، ورصيفٍ يحنو على العابرين، ويتّسع للورد وآهات المحبّين.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

إيران تهدد بالسيطرة على السواحل الإماراتية والبحرينية

عدن أوبزيرفر | 553 قراءة 

تصعيد لافت في خطاب المشاط: تهديد مباشر للسعودية بـ”انتزاع الحقوق بالقوة”

عدن أوبزيرفر | 477 قراءة 

حقائق تُكشف: علي محسن يروي كواليس الساعات الأولى لانقلاب الحوثيين

نيوز لاين | 360 قراءة 

مصدر أمني يوضح حقيقة الانفجار الذي هز شمال عدن فجر اليوم

موقع الأول | 334 قراءة 

اختراق الأجواء السعودية وتدمير 33 طائرة وإعلان لوزارة الدفاع.. ماذا يحدث؟

المشهد اليمني | 315 قراءة 

انهيار مفاجئ في المعلا بعدن.. سقوط خمس بلكونات من عمارة سكنية يثير الذعر

شمسان بوست | 250 قراءة 

ايران تعلن عن "مفاجآت" مربكة !

العربي نيوز | 222 قراءة 

تفاصيل جديدة حول الشخص الذي أجبر خالد مقبل على تقديم بناته في صلح قبلي بذمار

نيوز لاين | 201 قراءة 

تهديد خطير يلوح في الأفق.. الحوثيون يكشفون قدرتهم على إغلاق باب المندب وتعطيل التجارة العالمية

شمسان بوست | 183 قراءة 

السنيدي: الجدل حول الصبيحي لا يستند إلى قانون.. ورفع العلم مسألة سيادية

عدن الغد | 171 قراءة