بثت مؤسسة برَّان الإعلامية، الأحد 15 فبراير/شباط 2026، أولى حلقات “بودكاست وتد” والتي استضافت فيها عضو مجلس الشورى اليمني، عضو البرلمان العربي، الشيخ علوي الباشا بن زبع.
وتحدث الشيخ الباشا في الحلقة التي قدمها "محمد الصالحي" عن الأعراف القبلية ودور القبيلة في تعزيز النسيج الاجتماعي ودورها في الأحداث السياسية.
مبادرة وتد
وفي بداية حديثه، ثمن الشيخ علوي، اهتمام مؤسسة برَّان الإعلامية وموقع برَّان برس بشؤون القبلية، مؤكدًا أهمية مبادرة “وتد” التي أطلقتها مؤخرًا مؤسسة برَّان الإعلامية.
وأشار إلى دلالات مصطلح “وتد”، والذي يعني أن القبيلة اليمنية أحد أوتاد المجتمع اليمني، ويشير إلى أوتاد خيمة الدولة والجمهورية اليمنية التي نجتمع تحتها الجميع.
كينونة القبيلة
قال إن القبيلة مكون اجتماعي عريض، تجمعه أواصر القربي أو التحالفات التي تحدث داخل المجتمع وتفرز هذه البنية، مضيفًا أن القبيلة اليمنية تشكل ثقل قتالي كبير، وهذا الثقل يشكل رديف للدولة ممثلة في الجيش والأمن.
أكد أن القبيلة اليمنية “لا تختلف كثيرًا القبائل المجاورة في الجزيرة ودول الخليج”، مؤكدًا أن هناك تشابه كبير في الأعراف والتقاليد والبنية الاجتماعية. وهناك شراكات في الأسماء والتحالفات الموجودة وامتدادات اجتماعية.
وعن العادات والتقاليد بين القبائل اليمنية، قال إن الجميع يتفق في المسائل الرئيسية، سواء العادات والتقاليد والأعراف أو في النظام الداخلي. وفي الأسس العامة: القيم، الأخلاق، العادات والتقاليد. موضحًا أن هناك اختلافات في التفاصيل لكن الجوهر واحد.
تقسيمات القبيلة
وعن تقسيمات القبائل، أوضح أن المتعارف عليها في اليمن عمومًا هي: حاشد، وبكيل، ومذحج، وقضاعة، وحمير، وكندة، وقريش. مؤكدًا أن هذه التحالفات الكبيرة المشهورة، والغالبية الكبيرة فيها القحطانية
وتحدثت عن التحالفات الكبرى داخل هذه القبائل أو ما يسمى قبليًا “الداعي العام”. موضحًا أن “النكف القبلي” يأتي في هذا الإطار.
ومع الوضع السياسي الراهن، أكد حدوث تغير في التقسيمات على أساس علاقة الدم، لكن في حقيقة الأمر التحالفات تتغير ويحدث فيها مد وجزر. وبعض القبائل تجري تحالفات عبر الربع والمخاواة.
وأوضح الشيخ بن زبع أن سبب التغيرات الحروب والتأثير السياسي. وقال: في كل الأحوال تظل هذه التقسيمات هي محور القوة القبلية وأحيانًا يكونوا أقرب إلى بعض.
وتحدث عن محاولات الإمامية لتحجيم قبائل مذحج، واستغلال القبائل وضربها ببعضها. مضيفًا أن الأئمة كانوا يعتبرون همدان أقرب إليهم، لكنها تعرضت لقمع وأيضًا بكيل وغيرها من القبائل التي طالها بطش الإمامة.
ضوابط القبيلة
تحدث الشيخ بن زبع عن الفرق بين سلوك القبائل وغيرها من المكونات الاجتماعية. موضحًا أن القبائل لا تستخدم قدراتها للفتك بالآخر.
ولهذا قال إن القبائل يمثلون عامل توازن وعامل مساعد لضبط بوصلة السلطة حتى لا تقمع الآخرين، موضحًا أن القبائل ينطلقون في هذا من اعتقاد أن إهانة أي قبيلة في أي مكان هو إضعاف للجميع.
إلى ذلك، قال إن “القبائل تتفاخر بكونها راقية في التعامل مع الآخرين ولا تقبل أن يهان أحد”. كما ترفض أيغال السلطة في الفتك بالقبائل. مضيفًا: حتى القبيلي العقائدي ينحاز في الأخير إلى قبيلته.
وذكر عامل آخر، وهو أن القبائل تحرص على حماية الدولة؛ حتى تقوم بدورها في حماية المجتمع وضبط المخالفين. مؤكدًا أن القبائل “يفكروا في سلامة الدولة قبل مصالحهم”.
ضعف الدولة
تحدث عن تداعيات ضعف الدولة أو انهيارها، والمشاكل الناجمة عن غياب العدالة في توزيع الثروة والسلطة والوضع الاقتصادي الصعب، وقال إن هذا يوفر مساحة للتخريب. فضلًا عن استئثار أبناء المدينة بالمناصب والامتيازات على حساب ابن القبيلة.
وأكد أن التخريب مرفوض لدى القبائل، ولا تتجاوب مع أعمال التخريب رغم أن أساس هذه السلوكيات ضعف الدولة والانهيار الاقتصادي والفساد.
العرف القبلي
تطرق الشيخ علوي الباشا إلى نشأة العرف القبلي وتطوره وصولًا إلى أن أصبح محل القضاء. وأكد أن الأحكام العرفية تتساوى مع درجات التقاضي في القانون.
وأوضح أن العرف عبارة عن عادة معينة حدثت، وتعارف الناس عليها على أنها سلوك صحيح وسليم لفترة مع الزمن وأصبحت عرفًا سائرًا بين العرب.
ويشترط في الأعراف، وفق الشيخ علوي، أنه جرى التوافق عليه من الأطراف وتنفيذه ولم يحصل عليه اعتراض، ومع تكراره في ثلاث قضايا على الأقل يصبح عرفًا.
وتحدث عن درجات الحكم القبلي التي تبدأ من التقاضي عن شيخ فرع مراغة، ومن ثم الإحالة إلى شيخ منشد أو مراغة، وصولًا إلى مراغة مرجع على مستوى القبيلة الأوسع. موضحًا أن الأخير يوازي المحكمة العليا.
وأوضح أن المراغة مرجع عرفي قراره إلزامي فيما يتعلق بالأعراف والأحكام. وفي الأعراف القبلية، قال إن العامل الحاسم في القضية هو صاحبها.
وتناول الفرق بين السياسي والمرجع داخل القبيلة الواحدة، وقال إن السياسي قد يبرز في القبيلة لكنه لا يتجاوز المرجع. موضحًا أن القبيلة مقسومة بين العرف والسياسة، وكاريزما السياسة يكون أقوى وقد يذهب ويعود لكن المراغة يظل ثابتًا.
ولفت إلى تعامل القبائل مع بعضها، وتقدير كبير السن، الذي تكون كلمته أقوى حتى ولو عُقد المشيخ لصغير السن. موضحًا أن تقدير كبير السن وتقديمه في الكلام والأكل وتقدمه في المجلس حتى لو كان مرافق، وكذلك الوضع داخل الأسرة.
القبيلة والتطور
حدث عن تاريخ القبيل ونقل المفاهيم الإيجابية داخلها عبر الزمن. وأوضح أن الصراعات التي شهدتها اليمن على مر التاريخ لم يحصل تطهير عرقي؛ لأن القبلي يعمل حسابه على الثأر والمماثلة انطلاقًا من المثل القائل: “من صبح بن عمك مساك”.
وقال إن القبائل تضع سقف للخلاف أو للصراع حتى لو وصل للدم. متطرقًا إلى ظاهرة هدم البيوت التي جاءت بعد انقلاب الحوثي. مضيفًا أنهم جاءوا على المجتمع اليمني بممارسات غير موجودة فيه وهي مكروهة ومرفوضة.
وأشار إلى أن هذا السلوك الحوثي أحدث رد فعل عكسي لدى القبائل التي لم يصل إليها الحوثي، لأنهم كانوا يشاهدوا الحوثي يفجر المنازل في عمران وصنعاء وإقليم آزال. مؤكدًا أن القبائل يفكروا أكثر من السياسيين في الغد ويحسبون كل تصرفاتهم.
موقع القبائل في المشهد
انتقد الشيخ علوي الباشا تغييب القبائل عن المشهد، معتبرًا هذا أيضًا جزء من أخطاء القبائل، التي قال إنها “استغلت سياسيًا”.
وأسهب في سياسة الإمامة واستغلال القبائل عبر التاريخ، موضحًا أن هذا السلوك تقوم به جماعة الحوثي الآن في استغلال القبائل وتحشيدهم للصراع داخليًا وخارجيًا. مؤكدًا أن الحوثي فكفك البنية القبلية.
وفي المقابل قال إن الحكومة لم تكلف نفسها دراسة حالة انخراط القبائل الطوعي في المقاومة ومن ثم إسناد الجيش. فضلًا عن تهميش القبائل بعد نجاحها في منع انهيار الدولة وتحقيق الانتصارات بعد حالة الانهيار التي شهدتها البلاد.
القبائل والتفوق العرقي
أوضح الشيخ علوي أن كل الجزيرة العربية قبائل، واليمن كلها قبائل عربية لا يوجد فيها إلا أسر محدودة معروفة بالاسم. مضيفًا أن مسألة المسيدة أو التفوق العرقي دخيلة.
وعلى المستوى اليمني قال إن الطبقية التي أنشأتها الإمامة كان هدفها ترسيخ فكرة الاصطفاء في أوساط القبائل. مضيفًا أن الإمامة رسخت فكرة القبيلي وغير القبيلي والمزين وغيرها، وحرضت القبائل لمنع تزويج غير القبيلي ليبرر لها عدم تزويج الهاشميات.
ومع ذلك، قال إن القبيلة اليوم غير القبيلة في الأمس مع انتشار العلم في أوساطها وانخراط أبنائها في مختلف العلوم.
وأشار إلى أن بعض القواعد الموروثة تحتاج جرأة لتحطيمها لإيجاد مجتمع متماسك. موضحًا أن هذه العقدة خلقتها ورسختها الأنظمة التي تستغل التمييز الطبقي. موضحًا أن الشباب عامل انتقال في هذه الجزئية.
القبيلة والدولة
أكد الشيخ الباشا، أن القبائل داعمة ومساندة للدولة عبر التاريخ، وعندهم بعد نظر حتى أكثر من السياسيين، وتمثل عامل توازن يعزز النسيج الاجتماعي ويضبط إيقاع التعايش والسلام.
وتحدث عن العقدة لدى بعض النخب التي ترى في القبيلة عائق أمام الدولة، وقال إن هذه النخب هي من تفرض على القبيلة طريقة التفكير ومستوى الانخراط في المشهد.
وأكد أن القبيلة تحاول الانسجام مع المجتمع المدني لكنه يستعديها وهو ما دفع القبائل لإعادة الحسابات في بعض المواقف. مشددًا على ضرورة خلق انسجام حقيقي بين القبيلة والمجتمع المدني.
تجربة آل سعود
تطرق الشيخ علوي الباشا في حديث إلى تجربة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود في المملكة العربية السعودية. وقال إنه لم يقم الدولة على أساس القبيلة وإنما على أساس دولة توحيد على الدين، وبعدها اختفت ظواهر قطع الطرق وقتل الناس ونهب الحجاج، وتحولت إلى مجتمع واحد، والدولة فوق الجميع مع وجود قاسم مشترك، وشعور القبائل أنها جزء من الدولة.
وأضاف أن ملوك السعودية ابتكروا أرقى الطرق للتعامل مع القبيلة وترويضها من خلال إلحاق أبنائها في قوات المجاهدين لضبط الأمن والاستقرار داخل الدولة.
وأضاف أن تجنيد رجال القبائل في أفواج يعملون في إسناد الدولة ساهم في اندماج القبيلة وانصهارها في الدولة، مؤكدا في ختام حديثه أن الدولة لن تستقر ما لم يتم بناء مجتمع متماسك يسوده العدل والسلام.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news