من دموع الشمس إلى بورصات نيويورك.. حكاية الذهب الذي شكل اقتصاد العصور

     
يمن إيكو             عدد المشاهدات : 107 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
من دموع الشمس إلى بورصات نيويورك.. حكاية الذهب الذي شكل اقتصاد العصور

يمن إيكو|قصة اقتصاد:

في صباح البشرية الأول، حين كان الإنسان يراقب ضوء الشمس يتكسّر فوق جريان المياه الناعم انسيابها، لمع أصفر الذهب ليصنع مجرى التاريخ، ومن تلك الشرارة الأولى، التي التقطها أسلافٌ مجهولون قرب مدينة تبليسي الجورجية قبل خمسة آلاف عام، بدأت حكاية المعدن الذي صعد من طبقات الأرض إلى صدارة الاقتصاد العالمي، وتحوّل من زينة الملوك إلى مرآة لثقة الأسواق في زمن الحروب والأزمات.

يوم اكتشف منجم “ساكدريسي” بجورجيا، صدفةً أثناء حفر مقبرة قرب العاصمة الجورجية، بدا المشهد أقرب إلى سردية أسطورية: عظام عمّال مناجم قدامى، قطع فخار، رمال تحمل آثار ذهب لا يُرى بالعين المجرّدة، هناك، تحت خمسين متراً من الصخور، بدأت باكورة الصناعة التي ستصبح معياراً للقيمة عبر العصور.

وما إن كشفت الحفريات عن ورش صهر قديمة، وأحجار طاحون أنهكها احتكاك الخامات، حتى ظهر أن سكان تلك المستوطنة التي امتدت لستين هكتاراً لم يكونوا مجرد باحثين عن رزق، بل روّاد اقتصاد معدني ناشئ عَرَف مبكراً معنى التحويل والتخصّص وتقسيم العمل.

مكانة الذهب لدى البشر

ومنذ العصور الأولى لاكتشافه ظل معدن الذهب يكتسب قدسيته من ندرته، ولعل أبرز أدلة سر مكانته العالية لدى البشر، ما حملته المراجع التاريخية من فرائد سيرته العجيبة التي حفلت بها الأساطير؛ من “دموع الشمس” لدى الإنكا، إلى “جلد الآلهة” في الحضارات الشرقية، إلى وصف هوميروس له بـ“مجد الخالدين”.

ومع أولى الحضارات النهرية، دخل الذهب حسابات السلطة؛ ففي مصر القديمة ساوى الملك مينا بين وحدته واثنين ونصف من الفضة، مؤسّساً أول معيار تسعيري للمعدن النفيس.

ولأن الذهب لا يصدأ، صار الذاكرة المعدنية للأمم، فقد بُنيت ممالك وانهارت أخرى حول طرق الوصول إليه، ولم تكن حمى الذهب في البرازيل أو كاليفورنيا إلا فصولاً جديدة من رحلة البحث عن الثروة، حيث امتزج الجشع- كمحرك رئيسي لتقاطر البشر إلى مناطق الذهب- بالهجرة الضخمة من قارات مختلفة، فنتج عن عاملي الجشع والهجرة، تغير اجتماعي واقتصادي جذري في أماكن الاكتشاف، واستولدت تبعاً لذلك الأسواق الحديثة، في تلك التجمعات الحضرية الواسعة.

أول عملة ذهبية

وفي أوروبا، حين ضربت بريطانيا أول عملة ذهبية عام 1284، وكرّست معياراً نقدياً يقوم على المعدنين الثمينين، صعد الذهب ليصبح عصب النظام المالي. لكن الانعطافة الكبرى وقعت عام 1900 حين ربطت الولايات المتحدة الدولار بالذهب، ثم فكت الارتباط في صدمة 1971، فدخل العالم عهد التعويم، وبدأ الذهب يستعيد دوره ملاذاً فوق النقد الورقي.

على مرّ الأزمات، كان الذهب المؤشر الصامت على خوف البشرية؛ إذ قفز في أزمات 1973، وارتفع في حروب الخليج، وطار في أزمة 2008، وعاد لقمم غير مسبوقة في جائحة كوفيد-19، وكانت كل موجة ذعر تعيد المعدن إلى مركز الطاولة الاقتصادية، بصفته “عملة الخوف” وملاذ الأمان.

منتجو الذهب عالمياً

واليوم، بينما تنتج الصين وروسيا وأستراليا الجزء الأكبر من المعروض العالمي، تتسابق شركات التعدين العملاقة لإمداد سوق يتجاوز إنتاجه السنوي 3600 طن، فيما قُدّر حجم الذهب فوق الأرض بأكثر من 200 ألف طن تتوزع بين المجوهرات والاستثمار واحتياطيات البنوك المركزية.

ومع دخول التكنولوجيا هذا العالم، باتت “البلوك تشين” (آلية متقدمة لقواعد البيانات تسمح بمشاركة المعلومات بشكل شفاف داخل شبكة أعمال) تتعقّب أصل السبائك، وتضبط مسارات الذهب من المناجم إلى المصافي، لتمنع تسلّل الذهب غير القانوني. إنه تحديث لسوقٍ ضاربٍ في القدم، يضيف الشفافية من دون أن يمسّ الهيبة التاريخية للمعدن.

أعنف منافس واجهه الذهب

غير أن أعنف منافس واجهه الذهب لم يأتِ من الأرض، بل من الشفرة الرقمية، فمع صعود البيتكوين الملقّب بـ“الذهب الرقمي”، ظهر صراعٌ جديد بين ندرة مادية راسخة وندرة خوارزمية مُبرمجة، أحدهما يُمسك به، والآخر يُكتَب على بلوك تشين غير قابلة للتلاعب.

وبينما يمنح الذهب سيولة منخفضة وكلفة تخزين مرتفعة، يقدّم “الذهب الرقمي” قابلية انتقال لحظي عبر الحدود، ما دفع بالمؤسسات لإطلاق صناديق تداول للبيتكوين، وبدأت بذلك مرحلة الاعتراف الرصين، إذا اكتملت المنظومة التنظيمية.

الذهب يستعيد مجده

ومع ازدياد التوترات الدولية، من حرب أوكرانيا إلى أزمات الشرق الأوسط، عاد الذهب إلى صدارته القديمة؛ فكل اضطراب جيوسياسي هو تصويت عالمي على هشاشة الثقة، وكل ارتفاع في الأسعار إعلانٌ عن تراجع الأمان في النظام المالي الدولي.

ولأن البنوك المركزية تقف في قلب اللعبة، فإن قراراتها بالشراء أو البيع تغيّر اتجاه الأسعار، فقد تحوّل الذهب إلى أداة استراتيجية للدول، تستخدمه للتحوّط من التضخم، أو لبناء قدرة تفاوضية، أو للالتفاف على العقوبات، بوصفه مخزن قيمة لا يخضع لمنصة أو عملة مهيمنة.

القاعدة الذهبية

وتراكم الأزمات الصحية، على غرار الجائحة، لم يفعل سوى تكريس القاعدة الذهبية: حين تخاف الأسواق تلوذ بالأصفر. إنه قانون لم تنجح العملات الورقية ولا المشفّرة في تجاوزه بعد، مهما بلغت ثقة المستقبل بالبلوكتشين.

ديمومة المكانة العابرة للقرون

ومع نهاية رحلة تمتد من منجم ساكدريسي الغابر إلى بورصات لندن ونيويورك، لم يفقد الذهب مكانته العابرة للقرون، إنه المعدن الذي يجمع بين وظيفة اقتصادية صلبة، ومقام رمزي شعبي، وسيرة أسطورية ظلت تنعكس في كل قصص البشر عن الثراء والحرب والسلام.

وفي عالم تتصاعد اضطراباته، يبدو الذهب- بماضيه وحاضره-حجر الثبات الأخير: ملاذاً آمناً في زمن العواصف، ومرآةً دقيقة لميزان الثقة في مستقبل الاقتصاد العالمي.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار جمهوري بترقية وتعيين طارق بهذا المنصب

نيوز لاين | 726 قراءة 

قرار مرتقب لمعاقبة ” هاني بن بريك” وترحيله من الإمارات

نيوز لاين | 493 قراءة 

هجوم حوثي جديد على ‘‘إسرائيل’’.. وإعلان لجيش الاحتلال

المشهد اليمني | 314 قراءة 

تصريح عسكري سعودي ناري بشان اعلان الانتقالي التصعيد بعدن

كريتر سكاي | 312 قراءة 

دولة خليجية تدفع نحو استخدام القوة لتأمين مضيق هرمز

يمن فويس | 287 قراءة 

انسحاب الحراك التهامي السلمي من مبادرة “الوثيقة التهامية” ورفضها بشكل كامل

عدن الغد | 223 قراءة 

محافظ حضرموت يقوم بإجراء صادم بحق لواء بارشيد

كريتر سكاي | 205 قراءة 

محلل سياسي سعودي: المرحلة تتطلب مقاربة مختلفة بعيداً عن خياري الانفصال أو الوحدة القديمة

عدن الغد | 196 قراءة 

قرار بفصل مئات الجنود في حضرموت ضمن مساعي إعادة تنظيم القوات

بوابتي | 193 قراءة 

صدور قرار رئاسي بتعيين اللواء الدكتور طارق النسي رئيساً لمصلحة الهجرة والجوازات

عدن الحدث | 186 قراءة