"الخراب المقدّس.. المليشيات في اليمن والعراق ترفع شعارات الدين لتُخضع الأوطان للفوضى"

     
المنتصف نت             عدد المشاهدات : 96 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
"الخراب المقدّس.. المليشيات في اليمن والعراق ترفع شعارات الدين لتُخضع الأوطان للفوضى"

"الخراب المقدّس.. المليشيات في اليمن والعراق ترفع شعارات الدين لتُخضع الأوطان للفوضى"

في مشهد يعكس الخراب الذي تخلّفه المليشيات حين تتغوّل على الدولة، يعيش اليمن والعراق اليوم وجهين مختلفين لكارثة واحدة: سيطرة السلاح على القرار الوطني، وتحوّل المجموعات المسلحة إلى سلطات فوق القانون، تُخضع الإنسان وتبتلع الوطن باسم المقاومة والدين والمظلومية. في اليمن، تواصل مليشيا الحوثي تمزيق البلاد واستنزافها منذ انقلابها المسلح عام 2014، بينما يغرق العراق في دوامة نفوذ المليشيات التي حوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مشاريع إقليمية لا علاقة لها بمصالح العراقيين.

في اليمن، لم تكتفِ جماعة الحوثي بتقويض الدولة والاستيلاء على العاصمة، بل فرضت على المجتمع نموذجاً من الحكم القهري الذي يجمع بين التعصب الطائفي والنهب الاقتصادي الممنهج. تسجن وتخطف وتعذّب، وتفرض جبايات على كل ما يمكن أن يُستغل لتمويل حربها. أكثر من عشر سنوات مضت والجماعة تحكم المناطق الواقعة تحت قبضتها بالعنف والإرهاب، فتقمع الصحفيين، وتُخفي المعارضين، وتُصادر أرزاق الناس باسم "المجهود الحربي".

ولم تسلم المرأة اليمنية من بطش الجماعة، إذ وثّقت منظمات حقوقية مئات الانتهاكات بحق نساء جرى اعتقالهن وإهانتهن دون محاكمة، في انتهاك فاضح للأعراف والقيم اليمنية التي طالما كرّمت المرأة وصانتها. أما الأطفال، فقد حوّلتهم المليشيا إلى وقودٍ لحروبها، إذ جنّدت الآلاف منهم وزجّت بهم في الجبهات بعد غسل أدمغتهم بشعارات الموت والكراهية. كل ذلك يجري وسط صمت دولي مريب، وعجز أممي عن فرض أي مساءلة حقيقية على قادة الحوثيين الذين يواصلون جرائمهم بثقة، وكأن اليمن أرض بلا قانون.

وفي العراق، لم يكن المشهد أقلّ مأساوية. فالمليشيات الطائفية التي تشكّلت في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003، تحوّلت خلال العقد الأخير إلى سلطة موازية للدولة، تتغذى على الضعف السياسي والانقسام المجتمعي، وتمارس نفوذها على مؤسسات الأمن والاقتصاد والقرار السياسي. كثير من تلك الجماعات تدّعي الدفاع عن الوطن، لكنها عملياً تنفّذ أجندات خارجية تتقاطع مع مشاريع طهران الإقليمية، وتُبقي العراق ساحة صراع مفتوحة.

في بغداد والبصرة والنجف، كما في صنعاء وصعدة والحديدة، تتشابه المظاهر: نقاط تفتيش غير رسمية، سجون سرّية، اقتصاد موازٍ قائم على الابتزاز، وتهريب النفط والسلاح. في كلا البلدين، يعيش المواطن حالة من الخوف الدائم من سلطة لا يمكن محاسبتها. الفارق الوحيد أن العراق يمتلك شكلاً للدولة، بينما اليمن يعاني من غيابها التام. لكن جوهر المعاناة واحد: انحسار مفهوم المواطنة، وتضاؤل ثقة الناس بأي سلطة تحمل السلاح.

النفوذ المليشياوي في العراق أعاق كل محاولات الإصلاح. فكل حكومة جديدة تُولد مكبّلة بالولاءات الحزبية والسلاح المنفلت، وكل مسؤول يحاول مواجهة المليشيات يُواجه بالتخوين أو التهديد أو الاغتيال. وقد بات العراقيون يدركون أن الخطر الأكبر على دولتهم لم يعد يأتي من الخارج، بل من الداخل؛ من تلك الجماعات التي تُقسم الولاء لغير العراق وتتعامل مع مؤسسات الدولة كغنيمة.

أما الحوثيون في اليمن، فقد تجاوزوا حدود السيطرة العسكرية إلى محاولة إعادة صياغة هوية اليمنيين الدينية والاجتماعية. فرضوا خطباً دينية أحادية في المساجد، وغيّروا المناهج التعليمية بما يتوافق مع أيديولوجيتهم، وأغرقوا المجتمع بشعارات الموت التي تمجّد العنف وتلغي الآخر. والنتيجة أن جيلاً كاملاً من الأطفال نشأ على ثقافة الكراهية، محروم من التعليم، ومهيّأ ليكون مقاتلاً لا مواطناً.

التشابه بين التجربتين اليمنية والعراقية لا يقف عند حدود الممارسات الأمنية، بل يمتد إلى استخدام الدين غطاءً للسلطة. في الحالتين، يجري توظيف الخطاب الديني لتبرير الانتهاكات وتقديس القائد، بينما تُستخدم الشعارات الطائفية لتمزيق المجتمع وإسكات أي صوت معارض. هذا التوظيف السياسي للدين جعل من المليشيات سلطة "مقدسة" لا تُسأل ولا تُحاسب، بل تُطاع خوفاً لا اقتناعاً.

في ذمار اليمنية مثلاً، وثّقت تقارير حقوقية أكثر من أربعة وعشرين ألف انتهاك حوثي خلال عقد واحد، بين قتل وتعذيب ونهب وتجنيد أطفال. وفي العراق، لا يختلف الأمر كثيراً؛ فالمئات من الناشطين خُطفوا أو اغتيلوا منذ انطلاق احتجاجات تشرين 2019، دون أن يُقدَّم أحد من الجناة إلى القضاء. كلا البلدين يشهد "حصانة المجرمين" بوصفها سياسة غير معلنة، حيث تُغلق الملفات بمجرد أن تقترب من دوائر النفوذ.

إن أخطر ما يجمع الحوثيين ومليشيات العراق هو إيمانهم المطلق بأنهم فوق الدولة. كلاهما يستمد شرعيته من السلاح، ويعتبر السلطة غنيمة، والوطن مجال نفوذ. لا يؤمنان بالديمقراطية، ولا بحرية الصحافة، ولا بمبدأ المواطنة. كلاهما يحكم باسم "الحق الإلهي" أو "المظلومية"، ويمارس أبشع صور القمع ضد كل من يرفض الانصياع.

وبينما يعيش الشعبان اليمني والعراقي أزمات اقتصادية خانقة، تستثمر المليشيات في الفقر والجوع لتكريس نفوذها. في اليمن، تتحكم جماعة الحوثي في أسعار الوقود والمساعدات الإنسانية، وتنهب إيرادات الموانئ والبنوك لصالح قادتها. وفي العراق، تتحكم المليشيات في العقود النفطية وعمليات التهريب والمعابر الحدودية، حتى بات الاقتصاد رهينة السلاح لا الإنتاج.

لقد أثبتت التجربتان أن البلدان التي تسمح للسلاح غير الشرعي بأن يكون جزءاً من المعادلة السياسية محكوم عليها بالانهيار. فالحوثي في اليمن، والمليشيات في العراق، ليسوا سوى وجهين لمشروع واحد يقوم على تقويض الدولة وتحويلها إلى كيان تابع يخدم مصالح قوى خارجية. وما لم يستعد المواطنان اليمني والعراقي حقهما في دولة حقيقية تحتكم إلى القانون لا إلى البندقية، فستظل دوامة الدم والفساد تدور بلا نهاية.

إن الخلاص لا يأتي من مبادرات السلام الشكلية ولا من التسويات الهشة، بل من إرادة وطنية صلبة ترفض الارتهان وتواجه السلاح بالكلمة والموقف والوعي. فكلما سكت الناس عن المليشيات، كبرت، وكلما خافوا منها، تمددت. والعراق واليمن اليوم يقفان على مفترق طرق: إما العودة إلى الدولة، أو الغرق في الفوضى إلى الأبد.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

تحركات الشرعية العسكرية في الرياض وإعلان الحوثيين إغلاق البحر الأحمر.. فهل اقتربت ساعة الصفر؟

موقع الأول | 591 قراءة 

(جورج بوش) يدخل رسميًا الحرب الإقليمية ويتجه نحو إيران.. تطورات متسارعة!

موقع الأول | 527 قراءة 

كاتب يمني يفجّر مفاجأة: تأخر الحوثيين لم يكن تكتيكًا بل لتحقيق هذه الغاية

يمن فويس | 372 قراءة 

كيف نقل قائد قوات الجو الإيراني مدن الصواريخ من روسيا وكوريا الشمالية إلى إيران؟

موقع الأول | 362 قراءة 

شاهد صورة لسائق الرؤساء وهو يصارع الموت بعد إصابته بجلطة دماغية

يمن فويس | 356 قراءة 

بعد الهزيمة القاسية.. مدرب منتخب مصر يوجه نصيحة للاتحاد السعودي لكرة القدم

الوطن العدنية | 297 قراءة 

سالي حمادة تفجّر مفاجأة مدوّية… تصريح شجاع يكشف خفايا ملف التحرش في الوسط الفني

نيوز لاين | 288 قراءة 

إطلاق أول صاروخ حوثي من اليمن لإسناد إيران.. وإعلان عسكري للجيش الإسرائيلي

المشهد اليمني | 288 قراءة 

سقوط 3 جنود في جبهة الضالع (الاسم+صورة)

كريتر سكاي | 248 قراءة 

متنكرا بزي نسائي..القبض على متهم بممارسة وترويج الرذيلة بصنعاء

نيوز لاين | 242 قراءة